إنهم يكتبون عن رحيل ولد أبريد الليل (7)

استنطاق مآثر ومفردات ولد ابريد الليل(ح1 )

(منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) صدق الله العظيم.
فقدت موريتانيا يوم 13/ يناير /2021 علما من أعلامها الوطنية ، ومفكرا أصيلا واستراتيجيا كبيرا ورمزا فذا للدفاع عن الوحدة الوطنية والحضارة العربية الإسلامية ، القامة الكبيرة محمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي رحلَ شخصُه ، وبقي أَثَرُه، شامخا، شاهدا، خالدا يشغل فضاء الفكر وقادة الرأي والسياسة مؤكدا أن “ذكر الفتى عمره الثاني”وأن ” الرجل العظيم هو من يعطي الدنيا أكثر مما يأخذ منها.
وهذا هو الذي قصده الراحل في مقاله (غزي لركاب) حين أراد أن ينصف الشيخ ماء العينين  “ليس هناك في البقاء والخلود ما يضاهي المجد، لأنه لا يشيد باللبنات والحجارة والحديد.
مقر المجد هو في قلوب وأذهان الرجال. إنه لا يتحطم. نسيان الذات وحده، قبل النسيان العادي هو الذي يدمره”.
ذلك أنه يرى ان الزعامة، على المستوى القومي، ليست سلطة، على الأغلب، وإنما هي قوة ناعمة مبنية على الولاء الطوعي وقناعة جماهيرية ،لأنها طاغية على الأنفس وتحتل تلقائيا القلوب، متسللة إلى بيوت الفقراء والأميين وقصور المتنفذين، لافرق ، ولاتحتاج إلى القوة والمال، لأنها هي نفسها قوة وغنى ، لذلك دأب المناضل الكبير والمفكر الاستراتيجي العتيق محمد يحظيه ولد ابريد الليل  الذي وهب حياته لوطنه وأمته ينشد الوحدة بالنضال الجسدي والفكري ، بل إنه يرى أن من يبالغ في الخصوصيات والذاتيات يكرس آثارا رجعية ، وبذلك فإن النخب التي انخرطت في التعاطي مع الإطار القطري الضيق الذي ارتضاه الاستعمار بأدواته ولغته أصلا،  قد رضيت هي الأخرى بوضع البلاد في الإطارالمنعزل ، سيما أن شعار الوحدة التي تتخطى الذاتيات صار في كثير من الحالات ممارسة تقدمية فعلية ، حتى أن بعض الكتاب والمناضلين الكونيين والعروبيين تجاوزوا المحلية جراء فكرهم ونضالهم وأمانة انتمائهم لىشعوبهم وأممهم.حيث ورد في مقاله (القمة العربية بين قصف الغربيين وهرج العرب ):

” ان مطلبنا الرئيسي هو حقنا في تشكيل دولتنا القومية، التي بدونها لن تكون لنا كرامة. الدولة الوحدوية هي الإختيار الوحيد الذي من شأنه أن ينقذ العرب، هو المشروع الوحيد الذي سيغير مصير العرب تغييرا نوعيا.

الحياة في الإطار الضيق، إطار الدولة القطرية، زرع في نفوس الناس وساستنا عقدة الدونية وعادة الشعور والإحساس بالتبعية للغير إلى درجة أن تلك العادة أصبحت طبيعة .

المشروع الوحدوي سيصنع من العرب رجالا غير منقوصين وسيرفعهم من درجة المنبوذين والممثلين الصامتين في لعبة الأمم إلى شركاء محترمين، لأن الوحدة ثورة راديكالية “.
في الحلقة الثالثة من سلسلة مقالاته عن الراحل محمد المصطفى ولد بدر الدين رحمه الله، يؤكد المرحوم محمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي يعتبر أن الحركات التقدمية التي انخرطت من أجل كل ما من شأنه أن يوقف الحرب بين الأشقاء لم تكن تتطلع على الإطلاق، إلى تطبيق أفكارها في بلد يمتاز بدرجة مخيفة من التأخر، حيث يقول
“هذه كانت الأطروحة الأساسية للحركة الوطنية الديمقراطية MND، وهي أطروحة احتياطية للبعثيين، الذين كانوا، يرجعون في التعامل مع الأمور الرئيسية كمسألة الحكم، إلى كتابهم المفضل، كتاب ميشيل عفلق الذي يُحيطونه بمسحة من التقدير إن لم تكن من التقديس، تفاديا للسقوط في الهرطقة. يقول ميشيل عفلق حرفيا: “إنها نظرة ضالة سطحية تلك التي تسمى الإصلاحات الجزئية التي تحققها بعض الأقطار ثورة وانقلابا، في حين أنه لا ثورة جدّية إلا في نطاق الأمة العربية الواحدة”.
هذا الصوفي الفريد متعلق بالفكرة السياسية المطلقة، لا تُغريه سلطة الدولة ما دامت غير مرتبطة بثورة شاملة على مستوى الأمة العربية ككل. وأكثر من ذلك، فهو يعتبر أن السلطة تُفسد، وأنه من الأفضل للمناضل أن يكون في قعر زنزانة – الشيء الذي يُعمّق الوعي السياسي- بدلاً من الوجود في السلطة.
الوجود في السلطة في قُطر عربي، لا محالة سيؤول إلى الإنزلاق، الضار أكثر من غيره، وهو أن ينشغل المناضلون الأكثر كفاءة ووعياً، بمهام الدولة التي لا حلّ لها على المستوى القُطري، وأن تُنسى الثورة. أما الهدف الأساسي والأسمى-في نظره- فهو أن يسترجع العرب كرامتهم وعزتهم المفقودة، وأن يشاركوا إلى جانب الأمم الأخرى، على نفس المستوى، في المسيرة الإنسانية الحديثة من أجل التقدم”.
في هذه الفقرة من كلمات مؤسس البعث التي استشهد بها المرحوم محمد يحظيه والتفسير الذي أعطاها قبل فترة وجيزة من وفاته هي التي توضح استقامة مسيرته المترعة بالنضال والتضحية ، وهذا يشبه تماما ماقاله صدام حسين أمام المحكمة قبل أشهر قليلة من استشهاده “إن حزب البعث هو الذي صنعني “،
والواقع أن مدرسة البعث قد امتازت بخصال الصدق والوفاء والتضحية ، ولكن ذلك لم يأت اعتباطا  لأنها تتحرى في الاختيار من أجل صنع القادة ذلك أن القائد الحقيقي هو  الذي  ، يتحمل مشاكل الآخرين ،من دون أن يكلفه أحد بشيء .
خلال التواجد الجماهيري العفوي المتميز للندوة التي نظمها المرصد الموريتاني للغة العربية  14/05/2016 بدار الشباب القديمة تكريما للأستاذ محمذن ولد باباه على جهوده في خدمة اللغة العربية  حضر هذه الندوة أغلبية قادة التيارات السياسية التقليدية في موريتانيا ، من القوميين والإسلاميين واليساريين ، وكذلك رؤساء بعض الأحزاب الحديثة من الموالاة والمعارضة  ، فضلا عن البرلمانيين ،والمحامين ، والأساتذة الجامعيين، والأدباء، والكتاب والصحفيين ، والطلبة والشباب ، والجمعيات النسوية ، ومنظمات المجتمع المدني .
وقد شكل هذا المشهد فرصة لبعض السياسيين من أجل استنطاق التاريخ ، وطرح العديد من الأفكار التي لم يتم الإنتباه لدلالاتها ، بسبب انفعالات اللحظة والمكان ، ومع ذلك فإن بعض المواقع قد سجلت ـ على الأقل ـ جزءا من آراء المفكر البارز محمد يحظيه ولد ابريد الليل التي كان يبتغي من ورائها الثناء على الأستاذ محمذن ولد باباه إلا أنها كانت في حقيقتها تعكس حرص الرجل على إيجاد وسيلة في ذلك الوقت يتم من خلالها وقف الحرب على وطنه الواسع بعد أن عارضها أصلا حيث خاطب النخبة السياسية الموجودة في القاعة قائلا : “..ترددت مرات لمدة سبعة أشهر على محمذن ولد باباه الوزير في حكومة المختار ولد داداه رغم انى أحمل في رأسى قنبلة انقلاب 10 يوليو .. من أجل الحوار والحوار في كل الأحوال مطلوب وضروي لكن الإتفاق ليس شرطا “.
وقد فسر بعض المحللين حضورالرجل غير المعهود لمكان الندوة ، ونوعية المشاركين ، مع خلفيته كمفكر استراتيجي ومساهم فاعل في صناعة الحدث ، أن ما قصده ذلك المناضل العتيق قد يكون ـ من بين أمورأخرى ـ دعوة موجهة بالدرجة الأولى للنخبة السياسية في بلادنا للحوار فيما بينها من أجل تشكيل جبهة وطنية وقومية ، في ذلك الظرف ، كبديل عن الاستنساخ الحرفي للإيديولوجيا القديمة ، ولكي تكون حصنا منيعا للبلاد ، وفضاء رحبا يتسع لجميع المكونات ، لأن المشتركات الكثيرة التي تربط العلاقات الحميمة بين مكونات شعبنا لايمكن تجاوزها ولا الاعراض عنها ، ومعلوم أن من أهم المشتركات الخالدة لهذه المكونات ، هي الدين الإسلامي الحنيف ، واللغة العربية ، والوحدة الوطنية  .
ومع أن تفسير المحللين السابق يظل افتراضيا ، لأن نص المداخلة لايدعمه تماما ، إلا أن سلسلة الحلقات التي كتبها محمد يحظيه ولد ابريد الليل نفسه بعنوان : ” التحديات الاستراتيجية للديمقراطية الموريتانية ” تعطي رؤية كاملة عن جميع ما يقصد للإنتقال من دائرة التأثر والانتظار الي دائرة التأثير والمساهمة .
كذلك فإن سلسلة المقالات التي كتبها مؤخرا المرحوم محمد يحظيه ابريد الليل عن الراحل محمد المصطفى ولد بدر الدين رحمه الله، ترمز إلى أمور كثيرة وفيها يقول “اتخذ البعثيون، بدورهم، مواقف رافضة للحرب بين الأشقاء” ،لأن “العامل الأول للنجاح في الحرب هو صحة سبب الحرب نفسه”
ومع ذلك فقد  “افتتحت الحرب على هزيمة اقتصادية بسبب الضعف المالي الكبير الناجم عن التعويضات المالية الباهظة عن تأميم “ميفرما”
وهذا من شأنه أن يجعل هذه الحرب تشكل اكبر كارثة على البلد ووحدته الوطنية إلى درجة أن الأعداء باتوا يفكرون في كيفية نمط تقسيم موريتانيا ويؤكد هذا أنه “في نهاية سنة 1977، وصل التدهور إلى مستوى جديد غير مألوف.
في الدوائر الأجنيبة، باتت نهاية الدولة الموريتانية موضوع تداول جدّي. وسواء وصله الخبر بشكل عادي أم أنه كان شريكا في صفقة ما، فقد طالب سينغور بحصته وهي جنوب موريتانيا، وذلك من خلال مقابلة صحفية أجراها مع مجلة “جون آفريك” في ديسمبر 1977″.
لقد هزلت حتى بدا من هُـزالها  كلاها وحتى سامها كل مفلس .
لذلك يؤكد القائد الكبير محمد يحظيه ولد ابريد الليل المسكون بالهم الوطني أن  “المشاركة في تغيير العاشر يوليو كانت مجرد واجب وطني من أجل الحفاظ على السكان المحليين، دون أدنى إرادة أو طموح ثوري”.
تغمد الله المرحوم محمد يحظيه ولد ابريد الليل بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

يتبع

باباه ولد التراد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق