لهذه الأسباب انتقدنا بشدة تصريح الوزير الأول أمام البرلمان؟

ذ.محمدٌ ولد إشدو

من بين ردود الفعل الإيجابية الكثيرة والتفاعل الواسع الذي تلقى به الرأي العام بيان هيئة الدفاع المندد بمداخلة السيد الوزير الأول أمام البرلمان، ورد سؤال غريب طرحه أحد الصحفيين هو لماذا انتقدتم تدخل الوزير الأول أمام البرلمان علما بأن النيابة تابعة للحكومة؟
وردا على هذا السؤال، نريد أن نبين ما يلي:
أولا: أن السبب الرئيسي، وبيت القصيد ومربط الفرس في تنديدنا بتصريح معالي السيد الوزير الأول ليس تدخله وهو رئيس السلطة التنفيذية في ملف زُعِمَ أنه بين يدي القضاء صوابا أو خطأ، وإصداره الأوامر بالاتهام فيه، خرقا لنص الدستور الصريح (المادتان89 و90) ولنصوص قانونية صريحة أخرى، وخلافا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية المتكررة؛ بل هو أمر آخر أخطر بكثير من ذلك (وهذا ما تعرض له وبينه بوضوح بياننا في نقطته الأولى). ألا وهو تبني معاليه ومباركته لخرق الدستور وتماديه في ذلك الخرق المتمثل في إنشاء “لجنة تحقيق برلمانية” ما أنزل الله بها من سلطان؛ إذ لا أساس لها إطلاقا في الدستور، ويشكل إنشاؤها خرقا له وعدوانا وتغولا على السلطة التنفيذية؛ بما فيها مؤسسة الرئاسة التي لا سلطان للبرلمان عليها إلا في حالة واحدة هي الخيانة العظمى فيما يتعلق برئيس في السلطة. فالسيد الوزير الأول يتبوأ منصبه بموجب المادة 30 من الدستور، وتحدد صلاحياته وسلطاته المواد 42 و43 و44 منه. وكذلك رئيس الجمهورية الذي يصبح رئيسا بمقتضى الدستور ويستمد صلاحياته وسلطاته منه (المواد من 23 إلى 39) وكذلك النواب ومختلف مؤسسات الدولة. فكيف له ولهم – والحالة هذه- أن يتمتعوا ويستفيدوا ويحكموا بترتيبات ومقتضيات مواد من الدستور، ويقبلوا ويستسيغوا ويستمرئوا – في الوقت نفسه- خرق مواد أخرى منه، ويتبنوا ذلك الخرق ويتمادوا في تبنيه على رؤوس الأشهاد، ويصرح به هو تحت قبة البرلمان أمام النواب وأمام عدسات الإعلام؟! {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}؟! هنا مربط الفرس، ومركز الخلاف!
ثانيا: أن معالي الوزير الأول قد خرق أيضا ترتيبات الدستور والقوانين النظامية المتعلقة بممارسة الدعوى العمومية والاختصاص النوعي المتعلق بالنظام العام؛ وبذلك يكون قد اعتدى على صلاحيات لا يخوله إياها أي قانون، ألا وهي صلاحية ممارسة الدعوى العمومية والاتهام التي تخولها المادة 27 وما بعدها من مدونة الإجراءات الجنائية للنيابة العامة، والنيابة العامة وحدها.
ولذلك كله، فقد حرصت هيئة الدفاع في بيانها – ونحرص في هذا التوضيح- أن نلفت انتباه الجميع دولة وشعبا، ونوضح للجميع أن الدستور الموريتاني قد تم خرقه في مواده 72 و93 و89 و90 و91 و68 (حسب الأهمية لا حسب الترتيب):
– خرقت المادة 72 حين اتخذت مطية لإنشاء “لجنة تحقيق برلمانية” للتحقيق في تسيير حكومة منصرفة ورئيس منصرف، وهي من ذلك براء. ذلك أن تلك المادة التي نصها: “تلزم الحكومة بأن تقدم للبرلمان حسب الصيغ الواردة في القانون، كل إيضاحات تطلب منها بشأن تسييرها ونشاطها” تعني كلمة “تلزم” فيها، الحكومة القائمة، وليست المنصرفة، أما “الإيضاحات التي تطلب منها” حسب الصيغ الواردة في القانون، فتتعلق بإجراءات المساءلة التي تتم تحت قبة البرلمان. وقد بينا مرارا وتكرارا أن لا سلطان للبرلمان على مؤسسة الرئاسة إلا في حالة الخيانة العظمى! ومن الأدلة الدامغة على ذلك (إذا احتاج النهار إلى دليل) الفقرة الأخيرة من المادة 30 التي تقول بالحرف الواحد: “يبلغ رئيس الجمهورية آراءه إلى البرلمان عن طريق خطابات، ولا يستدعي إبلاغه ذلك فتح أي نقاش”!
– وخرقت المادة 93 حين انتهكت حصانة الرئيس السابق التي تكفلها بجلاء لا غبار عليه فقرتها الأولى التي تنص على ما يلي: “لايكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسته سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى. لا يتهم رئيس الجمهورية إلا من طرف الجمعية الوطنية. التي تبت بتصويت عن طريق الاقتراع العلني، وبالأغلبية المطلقة لأعضائها. وتحاكمه في هذه الحالة محكمة العدل السامية”. وحين انتهكت كذلك فقرتاها الثانية والأخيرة، اللتان تمنحان الوزراء الاُول والوزراء امتيازا قضائيا جردوا منه، وأقيلوا قبل أن تتهمهم سلطة اتهامهم (البرلمان) وأحيلوا إلى قضاء غير مختص!
– وخرقت المادتان 89 و90 المتعلقتان باستقلال السلطة القضائية عن السلطتين الأخريين، حين ابتليت بملف باطل لا علاقة لها به، ولا يوجد نص قانوني يجيز إحالته إلى الحكومة أو إلى القضاء، وحين وجه السيد الوزير الأول تعليماته من تحت قبة البرلمان إلى القضاء بالاتهام في ملف بين يديه، وحين سلبت من النيابة سلطة الاتهام التي خولها لها القانون.
– وخرقت المادة 91 التي تقول: “لا يعتقل أحد ظلما. فالسلطة القضائية الحامية للحرية الفردية، تضمن احترام هذا المبدأ في نطاق الشروط التي ينص عليها القانون”. وذلك حين اعتقل الرئيس السابق ظلما؛ ولا قانون أسمى من الدستور!
– وخرقت المادة 68 في فقرتها الأخيرة التي تقول حرفيا: “محكمة الحسابات هي الهيئة العليا المستقلة المكلفة برقابة الأموال العمومية”. وذلك حين جندت في مسايرة أهواء ما أنزل الله بها من سلطان!
أوردها سعد وسعد مشتمل ** ما هكذا يا سعد تورد الإبل!
إن خرق الدستور أيا كانت أسبابه ودواعيه، وأيا كان مرتكِبه، هو فساد في الأرض وخيانة عظمى، يجب على رئيس الجمهورية بقوة المادة 24 من الدستور التي تعلن حمايته للدستور وتجسيده للدولة، وضمانته بوصفه حَكَمًا، السيرَ المطرد والمنتظم للسلطات العمومية، وبموجب قسمه الذي أقسمه بمقتضى المادة 29 من الدستور على “مراعاة احترام الدستور وقوانين الجمهورية” أن يتلافاه وينهيه، ويفرض سيادة القانون قبل أن تعم الفوضى، ويضرب بيد من حديد على مصادر التخريب والبطش في الجمهورية، ويحاسب المسؤولين عن هذا البغي.
فالقضية لا تتعلق بمصير رجل شجاع وقوي أنقذ هو وصحبه الوطن وبنوه وضحوا بأرواحهم من أجله؛ بل تتعلق بمصير أمة ودولة ووطن، وبمصير الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. إذ مَن هو المغفل الذي سيقبل بعد هذا البغي الخروج من السلطة إلا إلى القبر، ما لم يصن ويحترم الدستور والقانون!

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

محمدٌ ولد إشدو
منسق هيئة الدفاع عن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق