ما وراء الكورونا

مرة أخرى ولن تكون الأخيرة -ما دامت الدنيا- تخضع أعناق البشرية للامتحان والابتلاء ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين).
ورغم ما يصيب نفس الإنسان من الجزع والهلع ، إلا أن هذه الابتلاءات لا تمثل شرا مطلقا للإنسانية ، بل هي من العوارض والحوادث الدالة ؛ فالدلالات وافرة ومنبهة؛ وهي وإن كانت مؤلمة ، إلا أنها قد تمثل منحة في طي محنة كما يقال.
هذه الحوادث في بعض مدلولاتها هي: عظة لهذا المخلوق العاقل”الإنسان” تذكره بحقيقة أولى وبدرس وجودي، ما كان ينبغي له الغفلة عن تلك الحقيقة الضاجة في صحائف الكون، ولا عن ذلك الدرس الظاهر في ذرات تكوينه هو ؛ أما الحقيقة فهي الدلالة على قدرة الخالق وعظمته وحكمته، وأما الدرس فهي ؛ محدودية المخلوق وضآلته رغم وهم القوة والقدرة الصورية التي كثيرا ما جعلت هذا البشري نَسَاءً بل وطاغية، ينسى مركزه في الكون كعبد ضعيف فقير لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ويستعمل ملكاته في الاعتداء والجور فيفسد في البر والبحر ، قيمة هذا الإدراك ( للحقيقة والدرس) تكمن في العودة الطوعية أوالاضطرارية للعبد إلى خالقه ، فيتذكره ويتعرف عليه في الشدة بعد أن نسيه في الرخاء.
والقيمة الثانية التي يهديها الابتلاء هي تهذيب النفس وتزكية روح الإنسان بالتواضع ، حين يدرك يقينا ما ركب فيه من العجز والضعف، فمن لم يدرك حقيقة وكنه مخلوق ضئيل مثله – فيروس- مجرد فيروس ؛ حري به – لعمري- أن ينتهي عند حده، وأن يتنازل عن وهم ادعاء الإحاطة بالمعرفة واحتكار الحقيقة ، وأن لا يثق في العلم القليل ولا في العقل الأعشى ، وأن يتواضع أمام الوحي ؛ الذي هو وحده المخول بأن يأخذ عقل الإنسان في جولة في بعض أسرار ملك الله وملكوته ليعرف الله ويعبده على بصيرة.
كم أنت ضعيف أيها الإنسان، وكم أنت غافل وجاحد ، حين تدعي معرفة كل شيء أوتنفي أي شيء ، من بنات عقلك القاصر وقوتك الخائرة.
هذه الحواث والابتلاءات أيضا تدفع بنا في لحظة العجز والانكسار البشري أو -إن شئت- في لحظة يقظة وتعقل إنساني ، نحو قيم التراحم والتضامن حين ندرك نحن بني البشر با أبيضنا وأحمرنا وأسودنا… أننا أعضاء أسرة واحدة ومن رحم واحدة، يتهددنا مصير واحد، فنتشارك الجهود والمنافع ونتعاون لإنقاذ أنفسنا.
إن مثل تلك الطوارق تدفع بالإنسان حين يبحث عن مزاياه الحقيقة؛ إلى تنمية الوازع الأخلاقي وتشعره بالمسؤولية وتدفعه لواجب الانضباط ، وكلها قيم يهملها الناس في ساعات العافية والظل الوارف والدعة المخملية ، حين تأخذ الأرض زينتها ويظن الإنسان الضعيف في نفسه القوة.
إن العادة تقضي بأن يهرب الإنسان من الخطر ومن مصدر الخوف ؛ إلا أن البحث عن الأمان يقتضي في مثل هذه اللحظات أن نهرب من الله إلى الله ( ففروا إلى الله) إذ لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
الفرار إلى الله أن تهرب من الحيرة إلى اليقين ومن ضعفك لقوته ومن جحودك إلى معرفته ومن لهوك إلى حقه؛فتعتقد بألوهيته وقدرته وعظمته وتثق في حكمته.
وأن تسخر موهوباتك وأولها عقلك للخير ، وأن تحسن إلى المخلوقات ، فتقيم بذلك عالما موزونا ومقدرا ومحكوما بمقاصد كلية غاية في الإصلاح والخير مجتهدا لتجسيد مراد الله في كونه .
المنهج الاسلامي يلخص معالجة الخروج من الابتلاء في أبعاد ربانية وواقعية،
أولا : إفهام الإنسان بأنه في دار امتحان واختبار فلزمه أن يستوعب هذه الحقيقة ويطور وعيا إيمانيا يناسبها.
ثانيا: عليه أن يفر إلى الله ويتعلق بقوته ؛ بالعودة والإنابة والتوبة والاستغفار والتضرع في مواجهة البأس.
ثالثا: أن يكون ذاتا خيرة ، فيبذل المعروف والتراحم والتضامن في أوقات عافيته وشدته( الإحسان والصدقة….)
رابعا: التداوي والأخذ بالأسباب ….
خامسا: أن يستعمل عقله ويسخر ملكاته وما تيسر من الوسائل لفهم السنن والقوانين والأسرار ( فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء …)
سادسا: حرمة اليأس
سابعا : تنمية الرجاء في فضل الله ورحمته
والثقة بالحكمة الكامنة وراء ظواهر الابتلاء أن الغاية إصلاح العباد – إلا من أبى- وهذا هو عمق القضية.
والله أعلم
من صفحة الديبلوماسي الكاتب السعد بن بيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق