النظام العالمي ما بعد الكورونا

الدكتور محمد ولد الراظي

   الجيش الروسي يرسل أسطولا من الطائرات وكتائب من علماء الأوبئة والفيروسات إلي ايطاليا عضو الاتحاد الأوربي وخاصرة الحلف الأطلسي الجنوبية..استنكف الأخ الأكبر أمريكا و انشغلت دول الاتحاد الأوروبي عن بعضها البعض فسقط شعار الهوية الأوروبية و تعطلت لغة الأخوة و الوحدة.

مشهد لا يصدق حين ترد أمريكا علي بلاء أوربا بتوقيف الرحلات منها و إليها و لا تجد اسبانيا المكلومة و لا ايطاليا المفجوعة من سند سوي  روسيا و الصين ……الروسي الذي كان ينظر إليه بالأمس بعبعا مخيفا للكثير من الأوروبيين يصبح اليوم حليفا منقذا و المساعدات الصينية بالخبرات و المعدات الطبية  في رحلات مكوكية لا تتوقف إلا لتعود…… ليس هذا هو عالمنا بالأمس

الصين تمد يد العون لإنقاذ أوربا من براثن الفيروس المريب وستمد يد العون غدا لترميم ما أحدثه من اختلالات في اقتصاديات الدول المنكوبة وهي التي كانت فتحت خزائنها لإنقاذ اليونان من إفلاسها عام 2010 لما بلغت الديون السيادية لهذه الدولة أكثر من 290 مليار يورو…..

بؤر الصراع الملتهبة في الشام و ليبيا و اليمن تعطي المزيد من إشارات التهدئة و ربما تسكت المدافع قريبا لمواجهة الخطر المحدق بالجميع و لانشغال ممولي تلك الحروب في تدبير أسباب الحماية من هذا الخطر القاتل…….ربما تنضاف إلي دبلوماسية الرياضة و الكوارث الطبيعية دبلوماسية  الفيروسات المميتة .

العالم علي أبواب تحولات كبري بفعل أزمة الكورونا الذي ضرب قلب أوربا تماما كما فعلت بها الحرب العالمية الثانية.

المنتصرون في تلك الحرب أسسوا الأمم المتحدة وتقاسموا بين أربعتهم حق النقض لحماية مصالح كل واحد منهم واليوم سيكون الحال نفسه بالمنتصرين في الحرب العالمية علي كورونا.

لم يتمكن الغرب من إكمال مشروعه لأن النظام الماركسي الستاليني في روسيا كان له الدور الأكبر في هزيمة الريخ الثالث ووأد المشروع النازي ولم يكن ليقبل سيطرة خصمه علي مقاليد الأمور في العالم.

لقد كان الغرب يري أن ديكتاتورية الريخ الثالث و سطوة وجبروت النظام الستاليني في موسكو-الذي أقام معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا أول الأمر- من الأسباب غير المباشرة لاندلاع الحرب العالمية الثانية.

فارتكز مشروعه  علي بناء أنظمة حكم ديمقراطية في عموم أوربا و العالم و محاربة الأنظمة الشمولية وإطلاق العنان لحرية الفرد المطلقة وحرية تنقل الرساميل و البضائع و الأفراد باختصار ارتكز اهتمامه علي بناء فلسفة حكم كوني تقوده السياسة الأمريكية  و يتكفل الدولار بهندسة عملياته المالية و التجارية و الاقتصادية.

أحكمت أمريكا هيمنتها علي العالم من خلال مشروعين اثنين أولهما  خطة مارشال التي استحوذت بموجبها – و هي التي لم تكتو بنار الحرب- علي اقتصاديات الدول المنهكة جراء الحرب وثانيهما مؤسسات ابروتن وودس )البنك الدولي و صندوق النقد الدولي(  التي مكنتها من إحكام السيطرة علي اقتصاديات ما تبقي من العالم.

اليوم بدأت حرب كونية من نوع آخر….حرب فيروسية قد لا تقتل من العالم ما قتلت الحرب العالمية الثانية و لكنها ستحدث تحولات أكبر بكثير مما أحدثته تلك الحرب. 

بدأت حرب الكورونا  في الصين فانهارت أسهم الشركات الغربية العملاقة المسجلة هناك  فاقتنتها الحكومة الصينية بثمن بخس مما مكنها من الاستحواذ علي أموال طائلة ستكون غدا مصدرا من مصادر تمويل مارشال آخر بنكهة صينية.

انتصرت الصين علي الكورونا  في فترة قياسية وهو انتصار ساعدت فيه إلي حد كبير البنية الثقافية الصينية والديانات الأرضية الناظمة لسلوك الفرد الصيني من كونفوشيوسبة و طاوية صينية وبوذية و الحاضنة في نفس الوقت لنظام الحكم الشيوعي.

قد يبدو الأمر غريبا أن تفشل الماركسية في حضنها الأوروبي و تصبح نموذجا لمشروع تنموي ناجح في واحدة من أعرق حضارات الدنيا ولكن العجب يزول بسرعة لو تأملنا أسباب الفشل هناك و النجاح هنالك.

فشلت الشيوعية في مهدها البروتستانتي الكالفيني و الكاثلوكي لأنه كان حاضنا و دافعا قويا لثقافة التراكم الرأسمالي الذي جاءت الماركسية لمحاربته فواجهت أسوارا ثقافية منيعة لا قبل لها بها حيث كانت الكنيسة البروتستانتية تملك لوحدها ثلث الأراضي في أوربا في القرن الثامن عشر-

أما بالنسبة للصين فلا تعدو الماركسية  سوي تحديث لأركان الثقافة الصينية التي مفصلت السلوك الصيني منذ القرن السادس قبل الميلاد.

فقد سبق كونفوشيوس(Confucius) ماركس و انقلز بخمس و عشرين قرنا إلي تنظيم العمل و سن الأجور و إحقاق الحقوق للطبقة العاملة وترجيح العام علي الخاص  كما أن لاو اتسي(Lao Tseu) أب الطاوية دعا في نفس الفترة تقريبا إلي الأممية بشطط أكبر حيث إنه كان يمجد الليل علي النهار لأنه يلغي الفوارق بين البشر.

أما البوذية الصينية و هي دين أرضي فإنها لا تؤمن بسلطة سماوية مما هيأ الصيني للقبول بمقولة ماركس أن الدين  أفيون الشعوب. 

انتصرت الصين في نموذجها الاقتصادي و الاجتماعي ذي الطعم الكونفوشيوسي- الطاوي- البوذي والعباءة الشيوعية فاحتلت المرتبة الثانية و ربما الأولي في العالم من حيث الناتج الوطني الخام و تزحف بصمت لإكمال جمع ما تبقي من الجزر بالبر الصيني و اليوم تعطي نموذجا آخر في نجاعة المركزية في الحكم.

انهارت المنظومة الفكرية  الغربية سريعا و تهاوت كقطع دومينو إذ تسببت حرمة المساس بالحرية الفردية في إضعاف السلطة المركزية في توجيه سلوك الفرد مما تسبب في تفشي وباء قضي علي الآلاف من الأرواح و سبب انهيارا اقتصاديا و اجتماعيا لم يسبق للعالم الغربي أن عاش مثيلا له وظهرت الدولة عاجزة عن إنقاذ مواطنيها كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء الايطالي حين استشفع السماء بعد أن عجز أهل الأرض في عاصمة الكاثوليكية العالمية. 

يتضح لنا مما سلف أن نموذج الحكم في الغرب فشل فشلا ذريعا في حماية المواطن  أمام فيروس الكورونا فكيف كان سيكون أمام انفجار نووي مقصود أو عن طريق الخطأ أو أمام حرب جرثومية شاملة؟

كما أن التفوق المعرفي الذي ظلت وسائل إعلام الرأسمالية الغربية تتفاخر به بدا نمرا من ورق أمام تغول فيروس كورونا وبدت التدابير الوقائية عاجزة عن حصره في الوقت الذي تعافت منه الصين بأقل تكلفة. 

ستكون هناك لا محالة مراجعات شاملة لقواعد الحكم و قواعد العلاقات الدولية و المعايير المحددة للصداقات و العداوات و الحدود الحقيقية بين الحقيقة و البروباقاندا. 

يتوقع أن تتحمل الصين أعباء ترميم ما خلفته الحرب العالمية علي الكورونا بعملتها الوطنية التي بدأت منذ سنين تضايق بشدة الدولار في المعاملات الدولية وستزداد الثقة العالمية في نموذجها الاقتصادي و ربما الاجتماعي و الفلسفي و السياسي مما سيؤدي إلي تحول أنظار العالم نحوها  كما فعل بعيد الحرب العالمية الثانية صوب أمريكا. 

 

الدكتور

محمد ولد الراظي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق