لا لا ……..يا بيرام

د. محمد ولد الراظي

تطرق النائب بيرام الداه اعبيد لما يمكن فهمه شروطا لتطبيع العلاقة مع النظام القائم وقد استوقفني حرصه علي ترسيم كل اللغات الوطنية ومساواتها في المكانة الدستورية مع اللغة العربية.
ولا شك أن كل تطبيع للعلاقات السياسية بين مختلف الفرقاء أمر مرحب به ومطلب للجميع وعامل استقرار وتنمية وسكينة مجتمعية.
قد يكون بيرام أدرك أخيرا أنه كان في الطريق الخطأ وهو ما أرجح فأرشدت التجربة مواقفه وصقلت مواهبه وفي هذه الحالة ليس في وارد اشتراط أي شيئ وما عليه سوي الإنخراط في العمل السياسي كسائر أفراد المجتمع وأن يختار لنفسه الموقع الذي يراه مناسبا.
أما إن كان الأخ بيرام ما زال يري نفسه جزءا من ذاك المشروع الذي تغيب عنه أكثر فصوله خطورة ويسير من جهات لا تريد له الخير ولا لربعه ولا لبلده فكان عليه أن يترك لكل فصيل طرح شروطه علي نظام الحكم الجديد ويكتفي هو بما يهمه أكثر كتشريع حزبه السياسي وغير ذلك من المطالب المشروعة لكل مواطن موريتاني.
لكن أود أن انبه بيرام إلي أن ترسيم اللغات الوطنية لم يكن يوما مطلبا للمطالبين به اليوم الا حين أدركوا أن اللغة الفرنسية لم تعد قابلة للتسويق في المنطقة ……لكن تهميش اللغة العربية ظل مطلبا لبعض السياسيين بتحريك من القوي الاستعمارية لما تمثله هذه اللغة من قدرة علي منافسة لغة المستعمر وما تمثله أيضا من كونها لغة دين وثقافة جامعة كتب بها موسي كمرا و الحاج عمر الفوتي ومشائخ الحركات الصوفية التي تخيط النسيج المجتمعي لكل المجموعات العرقية والقومية في منطقة غرب أفريقيا المسلمة.
في عامي 62/63 تعالت أصوات من داخل حزب الشعب تطالب بمحاصصة في الحكم من خلال تبني سلطة تنفيذية برأسين رئيس الجمهورية ونائب له أو رئيس جمهورية ورئيس وزراء ذي صلاحيات واسعة لا ينتميان لنفس المكون القومي أو رئاسة دورية تعود مناصفة لعنصر عربي مرة ومرة اخري لعنصر من القوميات الأخري.
كان التشبث باللغة الفرنسية كلغة ناظمة للادارة ولغة تعليم ولغة مراسلات دولية وإقليمية عنوانا للحيلولة دون أن تأخذ اللغة العربية مكانتها كرمز للاستقلال الثقافي والاقتصادي أيضا – حيث أثبتت الدراسات أن التبادلات التجارية والاقتصادية بين فضاءات تستخدم نفس اللغة تكون أعلي بكثير مما تكون عليه في حالة العكس……وهو ما كان من أهم أسباب تشبث فرنسا ببقاء لغتها حاضرة وبقوة في مستعمراتها السابقة…….تلك الدولة العظمي التي تخشي علي هويتها فتنشئ وزارة لها وتحرم علي المسؤولين الرسميين استخدام أي مصطلح أجنبي في المنتديات الدولية.
هل يعلم بيرام أنه لا توجد ديمقراطية واحدة في العالم تعتمد أكثر من لغة رسمية واحدة ولغات تعاملات دولية واحدة ولغة إدارة وقضاء واحدة.
وهل يعلم بيرام أن انخراط الفرنسيين من مختلف مكونات المجتمع الثقافية في القبول باللغة الفرنسية كان ناتجا عن قرار ملكي بعيد الثورة عام 1789 لما علم الملك أن الفرنسيين ليس بمقدورهم جميعا الأطلاع علي القوانين الجديدة للثورة لوجود بعض المكونات غير ناطقة بالفرنسية فالزم الجميع بدراسة الفرنسية…….مع وجود مكونات قومية أخري في فرنسا لها لغات حية و مكتوبة…..
لماذا يقبل الفرنسيون بمختلف مكوناتهم الثقافية اليوم باللغة الفرنسية التي فرضت فرضا علي أجدادهم من قبل ملك فرنسي الهوية والثقافة مما يجعل السياق في وارد ان يكون عنوانا قويا للنفور منها في حين ينفر بعض من أبنائنا من لغة أخذها أجدادهم عن قناعة إيمانية راسخة وحملوها ونشروها وأعزوها في عموم القارة !!!
لا يا بيرام فالقضية أكبر بكثير مما يخيل إليك ولها جذور بعيدة وتحركها أيادي لا تدركها الأبصار ولكن لا تخطئها البصيرة…..
اندلعت أحداث 66 المؤلمة إثر تطبيق القانونين 025 و026 لعام 1965والقاضيين بإضافة ساعتين فقط من تدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية والإعدادية خلال السنة الدراسية 65/66.
قامت قائمة الأطر المنحدرين من الضفة وخاصة من المكون البولاري وأصدروا ما يعرف ببيان التسعة عشر واستقالوا من وظائفهم تضامنا مع الطلبة المضربين خوفا من ساعتين من اللغة العربية!!!!!
كانت فرنسا تستعد لإنشاء منظمة للفرانكوفونية لتواصل بها سطوتها الثقافية في مستعمراتها التي اضطرت لتركها بعيد الهزيمة في الحرب الثانية وما نتج عنها من رياح تحررية لم يسلم منها ركن في العالم.. …. لفرانكوفونية والفرنك الإفريقي ظلا ذراعي الاستعمار الفرنسي بعد رحيله.
زاد من تسارع الأحداث في موريتانيا خروج البلاد من الاوكام واستقالة أو تنحية الوزير القوي المرحوم با بوكار ألفا.
لم يطالب أحد حينها بتدريس اللغات الوطنية أحرى ترسيمها رغم أن الكثير من النخب الإفريقية ذات الصيت الثقافي العالمي من أمثال أمباتي با كانوا قد عقدوا مؤتمرا في باماكو نفس السنة للتفكير في كتابة وتطوير اللغات المحلية في أفريقيا.
سيشهد العام 1978 ميلاد حركة الحر المطالبة بمحاربة العبودية وإنصاف الأرقاء السابقين وهو ما رأت فيه حركة 66 فرصة لإذكاء قطيعة بين مكوني العنصر العربي في موريتانيا.
تقر وزارة التعليم بموجب التعميم 002 عام 1979 زيادة ضارب اللغة العربية فتندلع احتجاجات طالبية في أوساط المكون الإفريقي راح ضحيتها طالب ثانوية عربي أمام الثانوية الوطنية.
حرك سياسيو افلام – الذين سيعلنون رسميا عن ميلاد الحركة عام 1986- الشارع بغية استنساخ تجربة 66 ومعرفة مدي أثر ميلاد حركة الحر علي التماسك المجتمعي في المكون العربي.
عام 86 أي عشرين سنة بعد إعلان 19 تعلن افلام عن نفسها من خلال إعلان 19 أيضا و الإعلانان موجودان عام 2020 علي الموقع الرسمي للحركة.
طالب الإعلان الأول بفدرالية وتقاسم السلطة بطريقة محاصصية وتمكين اللغة الفرنسية كلغة وحدة وطنية في حين طالب الإعلان الثاني بترسيم اللغات الوطنية ومساواة اللغة العربية دستوريا باللغات الأخرى التي ما تزال طور الكتابة وابتدعت نسخة 86 مصطلح السود الموريتانيين لشق الصف العربي بعدما فشل اختبارهم 79 و 66.
هناك يد استعمارية وراء خلق الإشكالات اللغوية للدول التي اعتمدت لغة رسمية غير لغة المستعمر وقد وظفت هذه القوي الكثير من المثقفين من مختلف القوميات وخاصة أولئك الذين درسوا بلغة المستعمر مما جعلهم يعتبرون مستقبلهم مرهونا بسيادة هذه اللغة في حين أن الدول التي أبقت علي اللغات الاستعمارية لغات رسمية لم تعش أي أشكال ثقافي.
في نيجيريا اللغة الرسمية هي الإنجليزية في حين أن اللغة البولارية مصنفة لغة أقليات رغم أن نيجيريا تحوي أكبر تجمع للفلان في العالم.
وفي الكاميرون الاتحادي لغتان رسميتان الانقليزية في الإقليم الانقلوفوني والفرنسية في الإقليم الفرانكوفوني في حين أن اللغة البولارية التي هي أكثر لغة منطوقة في البلاد بنسبة 21 % مصنفة لغة محلية ولا تعيش البلاد مثل هذا الإشكال اللغوي.
أما في غينيا فاللغة الرسمية هي الفرنسية واللغة البولارية التي ينطق بها أكثر من 32% من السكان مصنفة لغة وطنية ولا تطرح أية مشكلة لغوية في هذه البلاد وكذلك حال جمهورية مالي والسنغال.
القاسم المشترك بين كل هذه الدول أنها جعلت من اللغات الإستعمارية لغاتها الرسمية….لا يفوتني هنا إلا أن أفصل بين المكون الفلاني وبعض سياسيبه الذين يقفون وراء هذا الإشكال الثقافي في موريتانيا.
فالفلان هم أكثر الناس عداء للاستعمار بشهادة المستعمرين أنفسهم ومن أكثر الأقوام كفاحا وأكثرهم استبسالا في وجه الغزاة وهم أيضا من أكثر الأوساط احتضانا للثقافة العربية وأكثرهم تمسكا بالدين الإسلامي.
ليس ترسيم اللغات هدفا بذاته بل سبيل للمطالبة بفيدرالية تكون نقطة البداية لإنفصال بعض الأقاليم لتفتيت البلد الي كيانات متعددة.
سيكون ذلك سهلا بعد تمييع الهوية وستكون الخطوة الموالية المطالبة بالتدريس بتلك اللغات في بعض المناطق علي الاقل و إلزام السلطات الإدارية والأمنية والقضائية باستخدامها حصريا فيها…. وهذا هو نفسه المشروع الذي دعا إليه الموقعون التسعة عشر لإعلان 66……..وما كان علي بيرام أن ينخرط في مشروع لا يعلم عنه إلا القليل ولا يخدمه في شيئ ولا يخدم بلده لا في حاضره ولا في مستقبله.

د. محمد ولد الراظي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق