لا وجود للجان تحقيق برلمانية في الدستور الموريتاني

بقلم الأستاذين الطالب أخيار ولد محمد مولود ومحمدٌ ولد إشدو

من البديهي لمن كان له قلب وأرجع البصر، أن الدستور الموريتاني لا يحتوي إطلاقا؛ لا في نسخته الأصلية، ولا في التعديلات اللاحقة مادة واحدة تؤسس للجان تحقيق برلمانية أو تمهد لتشكيلها. وللتأكد من ذلك فلنأخذ القليل من وقتنا للاطلاع على دستورنا؛ الأمر الذي لا يكلف عناء بالنظر إلى مواده المعدودة، مع أنه يتسم بمنهجية يلاحظ من خلالها وجود توزيع محكم للسلطات؛ حيث لا تداخل بينها، ولا تطاول لبعضها على بعض. كما تتجلى من خلال موضوع سلطتي التنفيذ والتشريع، استحالة التنازع بينهما.
وحينئذ سيتضح للقارئ أنه لا سلطان لرقابة البرلمان إلا على العمل الحكومي فيما يظل النظر والفصل في مسؤولية رئيس الجمهورية من اختصاص محكمة العدل السامية كما تنص على ذاك المادة 93 من الدستور على النحو التالي: “لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسته سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى. لا يتهم رئيس الجمهورية إلا من طرف الجمعية الوطنية التي تبت عن طريق الاقتراع العلني وبالأغلبية المطلقة لأعضائها وتحاكمه في هذه الحالة محكمة العدل السامية”.
وعليه فإن مسؤولية رئيس الجمهورية لا يستساغ البحث عنها إلا أمام هيئة دستورية مشكلة لذلك الهدف، هي بالتحديد محكمة العدل السامية باعتبار أعضائها هم القضاة الطبيعيين لرئيس الجمهورية، وقد نصت المادة 7 من قانون التنظيم القضائي على أنه “لا يجوز فصل أي أحد عن قضاته الطبيعيين” كما جاء في المادة 1 من نفس القانون ما يلي: “تقام العدالة على تراب الجمهورية الإسلامية الموريتانية وفقا لأحكام هذا الأمر القانوني بواسطة المحكمة العليا ومحاكم الاستئناف ومحاكم الولايات والمحاكم الجنائية والمحاكم التجارية ومحاكم الشغل ومحاكم المقاطعات وكل محكمة أخرى تنشأ بقانون”.
وقد أنشئت محكمة العدل السامية بقانون من أعلى القوانين رتبة في الهرم التشريعي باعتباره قانونا دستوريا؟
ولا يستفيد رئيس الجمهورية فحسب من امتياز قضائي يجعل النظر في مسؤوليته من اختصاص محكمة العدل السامية دون غيرها من المحاكم؛ بل علاوة على ذلك، وحتى نكون قد أحطنا بالموضوع، فإن هذه المسؤولية لا تؤسس إلا على سبب واحد؛ ألا وهو الخيانة العظمى، التي بحثت عن مؤيداتها لجنة التحقيق البرلمانية حين توسمت أنه لا بد من إقامة البرهان على وجود خيانة عظمى لمتابعة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، قبل أن تعدل عن هذا المسعى لما اتضح لها أن معلوماتها حوله واهية الأساس.
إن الدستور الموريتاني في مواده المتعلقة بمسؤولية رئيس الجمهورية مماثل طبق الأصل للنص الدستوري الفرنسي الصادر سنة 1958 في مادته 68 التي نقلت حرفيا في المادة 93 من الدستور الموريتاني. ولما عقدت فرنسا العزم على تعديل دستورها سنة 2007، أدخلت تغييرا على الماد 67 حيث جاء في نصها الجديد أن رئيس الجمهورية محصن من كل متابعة أثناء مأموريته إلا انه بعد انقضائها بشهر تستأنف الدعاوى التي كانت مقامة ضده؛ والتي ظلت معطلة بموجب تلك الحصانة، وفى نفس المنحى تم تعديل المادة 68 بالقول إن مسؤولية الرئيس قد تفضي إلى عزله إن هو ارتكب أعمالا مناقضة لانتدابه الرئاسي، ويقع العزل بواسطة المحكمة السامية التي استحدثت محل محكمة العدل السامية في تعديلات 2007 للدستور الفرنسي.
ولا وجود في الدستور الموريتاني لتعديلات مماثلة، ولا للمادة 24 جديدة من الدستور الفرنسي فقرة 1 إثر تعديل 2007 التي تنص على أن البرلمان “يراقب عمل الحكومة ويقيّم السياسات العمومية.” وهذه المهمات الجديدة التي أسندت للبرلمان بموجب تعديل 2007 هي التي بموجبها أسست لجان التحقيق البرلمانية طبقا للمادة 51-2 جديدة؛ إذ ورد فيها: “لممارسة مهمات الرقابة والتقييم المعلن عنهما في الفقرة 1 من المادة 24 يمكن إنشاء لجان تحقيق برلمانية في كل غرفة برلمانية للبحث عن المعلومات بالطرق القانونية المنصوص عليها. يحدد القانون قواعدها التنظيمية والتسييرية. وتحدد ظروف إنشائها في النظام الداخلي لكل غرفة”.
إن التعديل الدستوري الذي جرى في فرنسا سنة 2007 والذي لم يكن له أي صدى في موريتانيا، لم يقنن لجان التحقيق البرلمانية إلا لرقابة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، احترازا من بسط تلك الرقابة على رئيس الجمهورية، الذي تنظر وتبت في اتهامه المحكمة السامية أثناء رئاسته، أو القضاء العادي بعد شهر من انقضاء مأموريته الرئاسية؛ شريطة أن تكون الدعوى مورست أثناء تلك المأمورية.
وكما وضحنا، فإنه لا وجود لتعديل مماثل في موريتانيا للمادة 93 المتضمنة أحكام مساءلة رئيس الجمهورية.
قد يحاجّ البعض بوجود لجان التحقيق في النظام الداخلي للجمعية الوطنية الموريتانية. ولكن ما هو وزن نظام داخلي بيني في مقابلة نص دستوري؟ هل يغيره، أم يعطل سريانه أم يلغيه؟ في أي رتبة من هرم التشريع تدرج ديباجة الدستور، نص الدستور، القوانين، المراسيم، المقررات، التعميمات؟ وما هو العمل بهذه القاعدة الاحتياطية المتمثلة في احترام تدرج القواعد القانونية، مغذية قلب دولة القانون؛ والتي يتعين احترامها قبل استحداث نص، أيا كان، حتى لا يطغى مقرر على مرسوم، ومرسوم على قانون، وبالأحرى نظام داخلي على نص دستوري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق