دفاعا عن الشرعية (الحلقة 6)

بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

ج – تكملة الرد على أجوبة النقيب حول المادة 93
كنا في الحلقتين الماضيتين نستعرض أجوبة السيد النقيب، منسق لفيف دفاع الدولة على أسئلة الوطنية والمرابطين حول المادة 93 من الدستور الموريتاني، ونعقب عليها، وسنواصل نفس المنحى في هذه الحلقة وفي التي تليها أيضا. ونبدأ بسؤال للأستاذ لحسن محمد الأمين من الوطنية:
سؤال: “ولكن هم (أي دفاع الرئيس السابق) يشيرون في هذه النقطة بالتحديد إلى أن المادة 93 من الدستور الموريتاني نقلت حرفيا من دستور 58 في فرنسا، المادة 68، وحتى فرنسا نفسها، عندما أرادت أن تجعل الرئيس في مرمى المحاكمة وفي مرمى المساءلة عادت وعدّلت هذه المادة سنة 2007، وأشارت إلى أنه بعد شهر من انتهاء مأموريته يمكن استدعاؤه. لما ذا موريتانيا لم تلجأ أيضا إلى تعديل هذه المادة إذا كانت تريد أن تضع كل رئيس في مرمى المساءلة؟” انتهى الاستشهاد.
جواب: “يجب أن نعي ويعي الجميع، وخاصة الرئيس السابق أن موريتانيا لم تعد مستعمرة فرنسية. أن موريتانيا لها نصوصها التي تحكمها، ولها قوانينها التي تحكمها، وليست خاضعة لفرنسا، ولا تتبع فرنسا. وحتى إن كان دستور 1991 كان اقتباسا من دستور الجمهورية الخامسة فهذا ممكن، ولكن لن نظل ولن نبقى تابعين. ولكن المهم في القضية هنا ما ذا المادة 93 تقول: مدة.. عندما تنتهي مدة المأمورية يصبح الرئيس يسأل. ال ما يسأل ألا الرب وحدو هو الذي لا يسأل، وهم يسألون! فهل الرئيس السابق أصبح ربا أم ملِكا حتى لا يسأل؟ حتى المواطن.. (الصحفي ولكن من طرف محكمة العدل السامية) يسترسل النقيب: المحكمة السامية تسأل في حالة الخيانة العظمى، وحتى في مأموريته إن كان فيه خيانة عظمى يسأل أثناء مأموريته. ولكن الأفعال التي لا تدخل في صلاحيات، في صميم وظائف رئيس الجمهورية لا يسأل عنها إلا بعد انتهاء مأموريته. كيف نقبل أن يكون الرئيس لا يسأل عن أي فساد قام به، عن أي عمل قام به.. وأنتم كصحفي مطلعين أنا متأكد من أنكم اطلعتم على تقرير اللجنة البرلمانية وكل المسائل التي تضمنها. فعلينا أن نعي أن من يتحدث عن هذه المادة فعليه أن يثيرها أمام القضاء في الوقت المناسب مع أنه واضح أن هذه المادة لا تنطبق إلا في حالة واحدة هي حالة الخيانة العظمى ومدة المأمورية. ولكن بعد المأمورية الرئيس يسأل ككل رئيس في جميع أنحاء العالم. كيف نقبل، حتى الرأي العام، حتى الجميع.. القانون صريح في هذه القضية، والأمثلة كثيرة في جميع أنحاء العالم. أنا ذكرت لك مثال الرئيس التشيلي الرئيس تسرنام رئيس بيرو، رئيس جنوب إفريقيا الذي يحاكم الآن. كيف نقبل عمليات الفساد المعروفة؟ هذه العمليات إن كان الرئيس السابق له دور فعليه أن يرد ويتعاون حتى يبين أنه ليس مسؤولا. أنا هنا أطرح سؤالا بسيطا: كيف نقبل أن رئيس وفي مؤتمر صحفي يقول أن راتبه لمدة عشر سنوات لم يأخذ منه مليما وفي نفس الوقت يقول إنه ثري، ونفس الرئيس السابق يرفض أن يقول مصدر هذه الثروة الهائلة التي يقول إنها. فهذه من حق اللجنة البرلمانية ومن حق الضبطية العدلية أن تسأله عن هذه المسائل. كيف يفسر للقانونيين، للحقوقيين، للرأي العام، أنه لمدة عشر سنوات لم يأخذ شيئا من راتبه، وأنه ثري. من حق كل موريتاني أن يطلب، أن يسأل هذا الرئيس السابق على أساس هذه التصريحات التي تشكل قرينة قائمة، فعليه أن يرد على هذه القرائن المتوخاة من تصريحاته”. انتهى الاستشهاد.
لقد كان بالإمكان ترك هذا الكلام دونما تعليق. ذلك أن القارئ، أيا كان مستواه، سوف يدرك ببساطة أنه خارج عن سياق السؤال ولا علاقة له به، وأنه مهلهل جدا، وجرى بلغة خشبية بامتياز! ومع ذلك، فقد رأينا من المفيد، بغية إنارة الرأي العام، وإزالة غشاوة التضليل والمزايدة، أن نتقدم بالملاحظات التالية عليه:
* لقد قدم السيد النقيب في بداية رده درسا رائعا في الوطنية والغيرة على الاستقلال. ولا غرو فذكرى 28 نوفمبر على الأبواب؛ وألح على ضرورة “أن يعي الجميع – وخاصة الرئيس السابق- أن موريتانيا لم تعد مستعمرة فرنسية. أن موريتانيا لها نصوصها التي تحكمها، ولها قوانينها التي تحكمها، وليست خاضعة لفرنسا ولا تتبع فرنسا”. ولنا أن نتساءل: ما علاقة هذا القول بالسؤال من جهة؟ ومن جهة أخرى، لماذا يقحم الرئيس السابق في موضوع تبعية أو عدم تبعية موريتانيا لفرنسا، إن لم يكن التحامل المفرط والإسقاط؟ وهل من اللائق أو الجائز أن يزايد “الآخرون” على وطنية الرئيس السابق الذي أنقذ موريتانيا من التبعية الذليلة لفرنسا ولمن هم دون فرنسا، ومن هم أعلى منها مثل أمريكا وإسرائيل. وذلك في الوقت الذي كان فيه المزايدون أفرادا وجماعات وقوى سياسية واجتماعية يخطبون ود السفارات والدول المهيمنة، لحد التآمر معها على الوطن! فمن يعطي من الدروس في الوطنية؟ ومن يجب عليه إذن أن يعلم أن موريتانيا لم تعد مستعمرة فرنسية؟ أذلك الذي قال لهولاند: “لا” مدوية عندما حاول جرنا إلى الحرب في مالي؛ وخاض هو حربه الوطنية ضد الإرهاب على طريقته الخاصة، وبجيشه وخططه دون أن يتبع أحدا، وواصل نفس النهج مع مكروه وغير مكروه، أم أولئك الذين ينكرون “نصوص وقوانين موريتانيا التي تحكمها” باعترافهم بأفواههم، ويريدون أن يفرضوا عليها قوانين فرنسا وأمريكا باسم “المذاهب والنظريات الدستورية” في الغرب، و”الأفعال المنفصلة” في فرنسا، دون أن يدركوا – وهم أحوج الناس إلى ذلك- أن موريتانيا لم تعد مستعمرة لفرنسا، وأن المادة 93 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية براء من “الأفعال المنفصلة” ومن تعديل 2007 الذي بوب عليها في فرنسا.. وأن محمدا ابن مالك الذي يحتل الصدارة في عقول وأفئدة وألسنة الموريتانيين يقول، وقد وعوا قوله:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل ** إذا تأتى أن يجيء المتصل!
* ويقول السيد النقيب أيضا في جميع أجوبته وتدخلاته: “ولكن المهم في القضية هنا ما ذا المادة 93 تقول:مدة، عندما تنتهي مدة المأمورية يصبح الرئيس يسأل” ويكررها ويضع تحتها خطا: “الرئيس فعلا غير مسؤول مدة، مدة، وأكرر وأضع خطا كبيرا تحتها مدة مأموريته إلا في حالة الخيانة العظمى”. وبما أننا كنا قد فندنا نظرية “مساءلة الرئيس عن أفعاله بعد انتهاء مأموريته، فسنركز في هذه الملاحظة على مسألة أخرى في غاية الأهمية؛ ألا وهي أن المادة 93 من الدستور الموريتاني لا تتضمن إطلاقا عبارة “مدة” ولا تقولها في فقرتيها الأولى والثانية المتعلقتين بحصانة الرئيس وامتيازه القضائي، ولا في أي فقرة من فقراتها! خلافا لما قاله واحتج به النقيب ووضع تحته خطا. وإليكم نص المادة 93: “لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسته سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى. لا يتهم رئيس الجمهورية إلا من طرف الجمعية الوطنية التي تبت بتصويت عن طريق الاقتراع العلني، وبالأغلبية المطلقة لأعضائها، وتحاكمه في هذه الحالة محكمة العدل السامية”. فلماذا التقول على المادة 93 بما ليس فيها؟ ومع ذلك يتهمنا نقيبنا في بيانه بتاريخ 1 أكتوبر بـ”إلقاء الكلام على عواهنه”!
* ويضيف السيد النقيب كذلك، وهو في حالة من النيرفانا المطلقة؛ مبررا مساءلة الرئيس السابق الممنوعة بقوة الدستور كما رأينا آنفا: “ال ما يُسأل ألا الرب وحدو هو الذي لا يسأل، وهم يسألون! فهل الرئيس السابق أصبح ربا أم ملكا حتى لا يسأل؟” ترى، هل لي، وقد سمعت هذا الكلام بأذنيّ، ورأيته بعينيّ يصدر من فم السيد النقيب، أن أشك في الأمر، أو أن أعتبره كابوسا مزعجا من كوابيس اليقظة؟ إذ كيف نتصور، تحت أي ظرف من الظروف، أن يصبح فجأة حقوقي متمرس، ومحام مخضرم، ونقيب هيئة محامين عريقة، ومنسق لفيف من 60 محاميا مقتدرا، واعظا يجيد اللغة الخشبية، وينكر النصوص القانونية الصريحة المسطورة في دستور بلاده، ويشترط لصحة الحصانة الصريحة المنصوصة في الفقرة الأولى من المادة 93 من الدستور، أن يكون من منحه إياها الشعب الموريتاني على غرار جل شعوب العالم، ربا أو ملكا؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!
* … ويسترسل السيد النقيب في رده الوارد في بداية هذه الحلقة قائلا: “كيف نقبل أن يكون الرئيس لا يسأل عن أي فساد قام به، عن أي عمل قام به، وأنتم كصحفي مطلعين أنا متأكد من أنكم اطلعتم على تقرير اللجنة البرلمانية وكل المسائل التي تضمنها. فعلينا أن نعي أن من يتحدث عن هذه المادة فعليه أن يثيرها أمام القضاء في الوقت المناسب، مع أنه واضح أن هذه المادة لا تنطبق إلا في حالة واحدة هي حالة الخيانة العظمى ومدة المأمورية. ولكن بعد المأمورية الرئيس يسأل ككل رئيس في جميع أنحاء العالم. كيف نقبل، حتى الرأي العام، حتى الجميع. القانون صريح في هذه القضية، والأمثلة كثيرة في جميع أنحاء العالم. أنا ذكرت لك مثال الرئيس التشيلي …” انتهى الاستشهاد.
وهذا القول يحوي سلسلة من الأخطاء الغريبة المتعمدة، منها على سبيل المثال:
– أن مساءلة الرئيس من عدمها – في نظر النقيب- لا ينظمها ويحكمها الدستور والقانون، بل تتوقف على رغباتنا، وعلى الرأي العام. وهو مستوى من الفوضوية والشعبوية لا يليق بمواطن عادي، أحرى أن يكون مصدره رجل قانون ونقيب ومنسق لفيف من 60 محاميا كبيرا!
– أن الفساد المدعى يظل نكرة لا بينة عليه، ثم يهبط إلى مستوى “عمل قام به”! ولما لم يجد عليه مدعيه بينة، يلجأ إلى استجداء شهادة الصحفي الذي هو متأكد من أنه اطلع على “تقرير اللجنة البرلمانية وكل المسائل التي تضمنها”. وكأن مجرد ذكر “تقرير اللجنة البرلمانية” التي هي في واقع الأمر “شاهد ما شاف شي حاجة” يكفي دليلا وحجة على الفساد!
– وينصحنا النقيب مشكورا، بأن من يتمسك بالحصانة المنصوصة في المادة 93 من الدستور “فعليه أن يثيرها أمام القضاء في الوقت المناسب”! أي حيث لا ينفع الوصل، وبعد أن يسحله خصومه، وخصوم الوطن، والمخابرات، والـ 60 محاميا!
– وأخيرا يعلن السيد النقيب خلاصة فريقه وهي: أن المادة 93 من الدستور “لا تنطبق إلا في حالة واحدة هي حالة الخيانة العظمى ومدة المأمورية. ولكن بعد المأمورية الرئيس يسأل ككل رئيس في جميع أنحاء العالم. القانون صريح في هذه القضية والأمثلة كثيرة في جميع أنحاء العالم. أنا ذكرت لك مثال الرئيس التشيلي …”!
أي قانون تعنون أيها النقيب المبجل، وتصفونه بالصراحة، ما دمتم تنكرون المادة 93 من الدستور وتؤثرون عليها مثال الرئيس الشيلي؟!
وقبل أن ننسلخ من اللغط الدائر حول المادة 93، ونصل إلى مثال الرئيس الشيلي، لا بد أن ننبه إلى الأمور التالية:
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق