دفاعا عن الشرعية (الحلقة 10)

بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

تكملة عمل الادعاء العام (ب)
ونواصل سرد نماذج من تدوينات وتغريدات حملة الإفك الممنهجة على الرىيس السابق:
* “نريد الآن ثلاثة أمور: إقالة المسؤولين المشمولين بالتحقيق، واستدعاء القضاء لهم، وسحب أموالهم المنقولة وغير المنقولة وتجميدها ووضع اليد عليها تهيئة لمصادرتها في حالة الإدانة”.
* “ولد عبد العزيز رجل خطر في يده مال كثير يعرف أنه سيصادر لذلك فإنه مستعد لبذله رغم شحه من أجل إشعال البلد. نقطة ضعفه أنه ممقوت شعبيا ولم يترك أثرا حسنا يشفع له عند الناس.
أرى أن السلطات تهاونت في شأنه كثيرا وأنه اليوم أكثر خطرا من أي وقت مضى لا مبرر لتركه حرا وهو يواجه محاكمة محققة تجمعت لشأنها الأدلة وحالته تستدعي التحفظ عليه بالقانون طيلة فترة التحقيق معه…”.
* “شرطة الجرائم المالية والاقتصادية تتعقب عشرات الكيلوغرامات من الذهب تم الاستيلاء عليها بطريقة غير شرعية من طرف المحيط الضيق للرئيس السابق في الأسابيع الأخيرة من حكمه وتم تهريبها إلى دولة خارجية وعاد مقابلها من العملة الصعبة إلى انواكشوط عن طريق السوق السوداء واستلمه أشخاص من محيط الرئيس”. (مصادري الموثوقة).
* “غادر ولد عبد العزيز الحكم بالجمل وما حمل من مال الشعب. وكان يمكن أن يهنأ بما نهب لولا بروق طمع خلب شامها فكان مصرعه تحت بروقها…”.
* “نحن مزلن ألا في الوتات مزال العقارات والشركات والحسابات في الخارج والداخل والبواخر والمعادن والصفقات الخرافية والذهب والألماس…”.
* “إذا كانت بنات محمد ولد عبد العزيز تأثرن من القبض عليه على ذمة التحقيق فما عليهن إلا رد كل ما لديهن ولدى أزواجهن وإخوتهن للدولة وللشعب. وعندئذ يستطعن المطالبة بخروجه من السجن.
كل ما لديهن يعني الأموال المنقولة وغير المنقولة من شركات وعقارات وأرصدة وحلي وسيارات.
عليهن أيضا أن يساعدن أنفسهن بالإفصاح عن الحسابات البنكية في الخارج والتي هربت إليها أموال موريتانيا والتي تعنيهن وتعني أزواجهن وتعني الأب والأم. وإذا كانت زوجته تكيبر تريد هي الأخرى التعبير عن حبها ووفائها فعليها رد كل ما أخذت من مال هذا الشعب وتجعله فداء لحرية زوجها”.
* ولد عبد العزيز يرفض الكلام أمام المحققين لأنه ببساطة ليس لديه ما يقوله ولا يستطيع الكلام بعدما انكشف المستور وظهر ما ظهر من سرقاته المهولة”.
* “معلومات تفيد أن السلطات الموريتانية تقوم حاليا بتجهيز سجن ولاته في أقصى الشرق الموريتاني، لاستقبال الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وبعض معاونيه المتهمين بملفات فساد …”.
هذا ناهيك عن الصورة والتعليق المخزيين الصادرين في موقع “كريديم” الذي حصد بهما توبيخ وإنذار وإدانة السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية في قرارها رقم 145 بتاريخ 10 سبتمبر 2020.
– ولم يفوت منظمو هذه الحملة الفرصة، فسعوا بالنميمة زورا وبهتانا بين دفاع الرئيس وبعض رجال النيابة؛ ما جعل أحد القضاة الفضلاء يكتب تحت عنوان: “من مقامات القضاة” ما يلي: “من مقامات القضاة مقام إذا وصله القاضي يستوي عنده المدح والذم، فلا يحمله مدح على محاباة، ولا ذم على مجافاة.. أسأل الله ذلك المقام”! ولكنه أنشد بيتا لحسان بن ثابت دل على إغضابه! فكدت لما قرأت تدوينته أرد عليه بما يلي: “وكذلك المحامي”! ولكني أحجمت تقديرا لمشروعية غضبه وانتصاره لكرامته الشخصية ومقامه الوظيفي السامي. أولم يقل أحد شيوخنا وشعرائنا الأجلاء الأفذاذ:
“أنَّى وتزكية الكريم لنفسه ** دلت مطابقة على إغضابه”!
وانتظرت هذه الفرصة لأوكد لفضيلة القاضي: “أننا في دفاع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، نتعامل مع القضاء بالحكمة والقانون، وما ننقم من القاضي تميزه، ولا أن يُسنَد إليه النظرُ في ملف شائك ابتُلِيَ به! وأنَّا برآء من ذلك الإفك الذي رفضنا رفضا قاطعا من البداية إدماجه في خطة دفاعنا عن موكلنا.. ولا يعنينا استخدامه دون علمنا من غيرنا؛ إذ لا تزر وازرة وزر أخرى! ونستلهم قيم الفروسية ونتشبث بها حتى النهاية. ولله ابن ابَّوْبَا حين أجاب سيدا طلب منه موسى، وكان هو أسمر اللون وسيدا ونبيلا، فقال: “ما عَندِي مُوسْ، أُذَاكْ اَلِّ تاهَمْ مَاهُ خَالَگْ”!
وفي مثل هذا الجو المشحون بحملات التضليل والتزوير الفاضح والإفك الممنهج والعسف، وبينما كان الرئيس السابق يستعد لعقد مؤتمر صحفي يرد فيه على أكاذيب المهرجين والمرجفين والأفاكين، تم الرضوخ لضغط تلك الحملات والخضوع لجبروت القوى المتآمرة التي كان يسميها الادعاء العام بـ”رأي عام تحركه عوامل مختلفة” و”أطراف أخرى”! فاستدعى الرئيس دون أجل إلى إدارة الجرائم الاقتصادية مستهدفا إياه دون غيره، ومتجاهلا حصانته ومنتهكا نصا دستوريا صريحا! ولما حضر إلى مقر إدارة الأمن اعتقل فور وصوله، ومنع دفاعه الذي حضر معه من الدخول ومن مؤازرته، ثم احتجزوه في ظروف سيئة للغاية مدة سبعة أيام قام خلالها مدير الأمن المساعد بمحاولة استجوابه! لكن الرئيس رفض رفضا باتا الجواب على أي سؤال أو توقيع أي ورقة، وظل متمسكا بحصانته التي يكفلها له الدستور وفق ترتيبات المادة 93 منه!
وبهذه الإجراءات التعسفية المارقة يكون القضاء الموريتاني وضبطيته قد انتهكا الشرعية وخرقا الدستور وداسا “القواعد والمعايير الإجرائية القانونية المقررة قضائيا” والتي وعدا باحترامها! فأين المفر.. “لِعْيَاطْ إِلَى جَ مِن شَوْرْ الكِدْيَه لِهْرُوبْ اعْلَيْنْ”؟
لو بغير الماء حلقي شرق ** كنت كالغصان بالماء اعتصار.
نعم، إن القضاء الموريتاني باستدعائه الرئيس السابق واعتقاله له واستجوابه إياه كان قد خرق نص المادة 93 من الدستور التي تقول بالحرف الواحد: “لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسة سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى. لا يتهم رئيس الجمهورية إلا من طرف الجمعية الوطنية التي تبث بتصويت عن طريق الاقتراع العلني، وبالأغلبية المطلقة لأعضائها. وتحاكمه في هذه الحالة محكمة العدل السامية…” وبخرق تلك المادة الصريحة انتهك الدستور، وديست الشرعية، وقوضت مبادئ وأسس العقد الاجتماعي الذي يربط ويحكم الموريتانيين! وذلك لعمري خطأ فادح ينذر – إن لم يتم تلافيه وإصلاحه- بتقويض أعز ما بناه ويملكه الموريتانيون؛ ألا وهو: الدولة، والديمقراطية، والسلم الأهلي والأخلاق والقيم!
كما تم كذلك خرق حقوق الدفاع المقدسة حين منع دفاع الرئيس الذي رافقه إلى إدارة الأمن، من الاتصال به ومؤازرته، خرقا للمادة 32 من قانون المحاماة التي تنص على ما يلي: “للمحامي مؤازرة الأشخاص أمام الضبطية القضائية، وله الحق في الاتصال بالشخص الموقوف فور توقيفه بناء على طلب من هذا الأخير أو طلب من زوجه أو أحد أصوله أو فروعه، وذلك في ظروف من شأنها تمكينه من تأدية واجب الدفاع عنه”.
ومن المضحك حقا في هذا المجال – وشر البلية ما يضحك- أن أحد كبار مسؤولي مرفق العدالة اعتذر لنا من بعدُ عن عدم السماح لنا بمؤازرة موكلنا، بأن المادة المذكورة حديثة الوجود، وانهم كانوا يجهلونها! أولم تنص المادة 17 من الدستور على أن “لا عذر لأحد في جهل القانون” وبالأحرى القضاة! وبشرنا نقيبنا بأنه سيكتب إلى نقباء المغرب وتونس يستفتيهم في فهم وتطبيق المادة 32 المذكورة!
وخرقت أيضا مواد الترسانة المتعلقة بمنع التعذيب، وترسانة الإجراءات الجنائية المتعلقة بحماية حقوق وحرية المشتبه بهم؛ وخاصة المادتين 40 و59 ويرجع في ذلك إلى بياناتنا المفصلة بصدده!
وللخروج من ورطة انتهاك الدستور وخرق القوانين التي أصبحت معروفة على رؤوس الأشهاد، ومحرجة أشد الحرج، تم الوقوع في ورطة أخرى، هي القيام بالحق المدني في غير دعوى عمومية، ودون اللجوء إلى القضاء المدني، واكتتاب دفاع هائل من 60 محاميا، من أولوياته تبرير أخطاء الادعاء العام وخرق القانون، وأن يكون شهود اتهام على من تمنع مساءلته واتهامه بقوة الدستور!
… غدا سيجتمع المجلس الأعلى للقضاء برئاسة فخامة رئيس الجمهورية؛ فماذا سيقول له قادة السلطة القضائية “المستقلة” إذا سألهم عن الحصانة التي يكفلها له الدستور بموجب المادة 93 والتي لا يمكنه القيام بمهماته المنصوصة في المادة 24 من الدستور وغيرها بدونها، وعن بدعة وفتنة “لجنة التحقيق البرلمانية” التي لا أساس لها في الدستور؛ والتي مزقت أغلبيته وأطاحت بحكومته الأولى ظلما وعدوانا، وهددت زورا وبهتانا سلامة واستقرار موريتانيا؟ فهل سَيَصْدُقونه ويقولون له الحقيقة التي خفيت – أو أخفيت- عن الأغلبية الساحقة من البرلمان والحكومة والمستشارين والمحامين.. وبذلك يستحقون صفة القضاة خلفاء الله في الأرض النبيلة المقدسة؟ أم سيحدثونه بحديث معاد لا علاقة لنا به حول “الأفعال المنفصلة” و”لجان التحقيق البرلمانية” التي جاء بها تعديل 2007 الدستوري في فرنسا، و اجتهادات الكومين لو في بريطانيا؟ وبذلك يعطونه الدليل القاطع على أن استقلال القضاء ما يزال بعيد المنال، كما شهد بحق شاهد من أهله، هو فضيلة القاضي الفاضل عمر السالك رئيس نادي القضاة الموقر!
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق