دفاعا عن الشرعية (ح11)

الأستاذ/محمدُ إشدو

{الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وكفى بالله حسيبا} (الأحزاب 39) وللمحامين فيهم إسوة حسنة!

خامسا: في الطرف المدني، وحجم الضرر، ورشوة المشتبه فيهم!

… ونعود مرة أخرى إلى مقابلة نقيب المحامين، منسق دفاع “الطرف المدني المنتظر” مع قناة “الوطنية” لنناقش بشيء من القانون والمنطق – والواقع أيضا- ما ورد في تلك المقابلة من شطط حول العناوين الثلاثة تباعا:

حول القيام بالحق المدني والطرف المدني.

ردا على سؤال للأستاذ لحسن ولد محمد الأمين ملخصه: أنت وصفت الذين يَمْثلون أمام شرطة الجرائم الاقتصادية بالمشتبه بهم. وأنتم شكلتم لجنة دفاع عن حقوق ومصالح الدولة الموريتانية ضد قضايا الفساد، وكطرف مدني في هذه القضية. هيئة الدفاع عن الرئيس السابق وصفت تشكيلكم بأنه خارج الإطار القانوني، لأن مركز الطرف المدني لا ينشأ قانونيا في مرحلة الاشتباه، وإنما ينشأ إذا ما وجه الاتهام وحركت الدعوى. كيف تردون على ذلك؟ قال السيد النقيب بالحرف الواحد ما يلي: “الدولة الموريتانية تعتبر واستنتجت من عمل اللجنة البرلمانية أنها هي الضحية الحقيقية لكل الفساد الذي عم هذا البلد لمدة 10 سنوات وكانت نتائجه (الصحفي أنت حسب اطلاعك على الملف ما تقديرك لحجم الفساد في هذه المرحلة) … أعتقد أنه آلاف المليارات (الصحفي آلاف المليارات؟) آلاف المليارات على أسوأ تقدير أنه آلاف المليارات.. جميع القطاعات: شركة سنيم، شركة سوملك، الميناء، الأراضي مدرسة الشرطة الملعب الأولمبي المدارس.. ناهيك ضخم ضخم استنزاف في الحقيقة بمعنى الكلمة! عندما يشعر أي طرف بأنه ضحية فعليه أن يتحضر، فعليه أن يتحضر، ويحضِّر تصوره ويكون جاهزا عند ما تكيف النيابة الأفعال أن يكون جاهزا حتى يصرح بوجوده. نحن طرف مدني موجودين، الدولة الموريتانية طرف مدني. وصرحت أنها طرفا مدنيا في القضية حتى في طور التحقيق الابتدائي الطرف المدني له وجود وبإمكانه أن يتظاهر ويكون موجود. إذن هذا في الحقيقة مأخذ لا أدري من أين أخذ! (الصحفي: معنى هذا أن عندكم الحق في أن تتشكلوا كطرف مدني في مرحلة الاشتباه؟) النقيب: بكل تأكيد tout à fait في مرحلة الاشتباه قلت لك إن الدولة الموريتانية تعتبر أنها ضحية ابتزاز. نوع من نهب الأموال وقع في هذا البلد يكفي الرجوع إلى تقرير اللجنة البرلمانية وتقرير قضاة محكمة الحسابات لفهم ضخامة الضرر وما زلنا ننتظر ما سيتم جمعه وما سيتم تدقيقه من طرف الضبطية العدلية وما ستستنتجه النيابة العامة حتى تقرر ما تراه مناسبا لكل فعل معين, فالنيابة وحدها، أي فريق النيابة المكلف بمتابعة الفساد هو الذي سيقرر من سيوجه الاتهام وهل سيتهم هذا هو صلاحيات قطب النيابة المكلف بمكافحة الفساد فلا دخل لهيئة الدفاع عن المشتبه فيهم ولا للطرف المدني في ذلك. والطرف المدني يبقى قائما يطالب بحقه لأنه يعتبر أن موريتانيا كانت ضحية لعملية ابتزاز عارمة”.

فهل ما قاله السيد النقيب حول الطرف المدني، والقيام بالحق المدني، وانتداب دفاع عن الدولة بوصفها طرفا مدنيا، في غير دعوى جزائية، صحيح من وجهة نظر القانون؟

هذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل..

نحن لا نعتقد أنه يكفيك لأن تكون طرفا مدنيا، أو قائما بالحق المدني، مجرد اعتبارك واستنتاجك أنك ضحية؛ بل لا بد من توفر شروط أخرى، والقيام بإجراءات معينة، يحددها ويفصلها القانون.

فمن حيث الشروط، لا بد من إقامة البينة على وجود جريمة (فعل يجرمه ويعاقبه القانون، وغير متقادم) وعلى ضرر محقق، وعلى علاقة سببية بين الضرر المدعى وبين تلك الجريمة!

ومن حيث الإجراءات، فإن الاختصاص في نظر الدعاوى موزع في الأصل بين القضاء المدني والجزائي؛ وبما أن المجال ليس مجال حديث عن سير الدعوى المدنية الصرفة، فسنصرف عنها النظر. ونتحدث فقط في هذا المقام عن الدعوى المدنية الناشئة عن جريمة: كيف ترفع، ولمن يكون الاختصاص، وكيف ومتى يقوم المتضرر من الجريمة بالمطالبة بالحق المدني؟

فبما أنه تنشأ عن الجريمة دعويان جزائية هي الدعوى العمومية، الرامية إلى إنزال عقاب عادل ورادع بمن تثبت إدانته، ومدنية هي دعوى المطالبة بجبر الضرر الناجم عن الجريمة، فإن المتضرر مخير في المطالبة بحقه المدني أمام أي القضائين شاء. ما دام بإمكان المحاكم الجزائية إثبات الاستحقاق وتقدير التعويضات والفصل في الموضوع في نفس الوقت الذي تبت فيه في الدعوى العمومية. وقد أخذ القانون المصري هذا المبدأ وهذه الإمكانية من عدة قوانين أوروبية كقانون التحقيق الجنائي الفرنسي الذي نص على أن الدعوى المدنية يمكن رفعها إلى المحكمة الجنائية لتفصل فيها في نفس الوقت مع الدعوى العمومية. وكذلك القانون البلجيكي والنمساوي (وإن كان الأخير يجيز للمحكمة الجزائية إحالة الموضوع إلى القضاء المدني إن تطلب بحثا أطول) وفي ألمانيا ترفع الدعوى المدنية حصرا أمام القضاء المدني. (جندي عبد الملك: الموسوعة الجنائية، الجزء الثالث، الباب الخامس).

وفي موريتانيا فإن المشرع أخذ بنفس مبدأ الخيارين الذي أخذ به المشرع المصري، عن القوانين الأوروبية؛ وخاصة القانون الفرنسي، فنصت المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية على ما يلي: “يجوز القيام بالدعوى المدنية في نفس الوقت الذي تقام فيه الدعوى العمومية ولدى نفس المحكمة” وكذلك المادة 75 منه، ونصها: “يجوز لكل شخص يرى أنه تضرر من جناية أو جنحة أن يقوم صراحة بالحق المدني؛ وذلك بتقديم شكوى أمام قاضي التحقيق المختص”. ونصت المادة 4 منه على أنه: ” يجوز أيضا أن تقام الدعوى المدنية منفصلة عن الدعوى الجزائية أمام المحاكم المدنية”.

وخلاصة القول، أنه يشترط في قبول الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي شرطان هما:

ـ كونها ناشئة عن جريمة.

ـ تحريك الدعوى العمومية ورفعها أمام محكمة.

ولمزيد من التفصيل حول الشرط الأخير نقول، ونكرر: إنه مهما كان حجم الضرر وبداهته، فإنه لا سبيل للمطالبة بجبره والقيام بالحق المدني ما لم توجد دعوى عمومية قائمة؛ خلافا لما ذهب إليه نقيبنا. فالمحاكم الجزائية لا يعهدها إلا الدعوى العمومية التي ترمي إلى توقيع العقاب؛ سواء رفعتها النيابة العامة، أو كانت مباشرة لحق مدني ناجم عن جرم. وعليه فإن القيام بالحق المدني أمام القضاء الجزائي يدور وجودا وعدما مع الدعوى العمومية.

أما القيام بالحق المدني أمام المحاكم المدنية فيشترط فيه هو الآخر شرطان هما:

– كونه ناشئا عن جريمة. و

– رفع دعوى أمام محكمة مدنية مختصة كما نصت على ذلك المادة 4 آنفة الذكر، وحسب الشروط الواردة في المادتين 58 و63 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية المتعلقتين بإجراءات فتح الدعوى وإثبات الصفة.

وما دام لم يوجه حتى الساعة اتهام إلى أي مشتبه به في ملف “لجنة التحقيق البرلمانية” وبالتالي لا توجد دعوى عمومية، ولم ترفع دعوى مدنية باسم الدولة أمام أي محكمة مدنية. فإننا نقول ونصر ونوقع بأن لفيف الدفاع عن الحق المدني للدولة الموريتانية المؤلف من 60 محاميا وينسقه السيد النقيب لا مركز قانوني له ولا صفة في هذا الملف! بل وجوده فضولي؛ مثله مثل لجنة التحقيق البرلمانية وتقريرها وإحالة تقريرها وتعهد الادعاء العام به. وبذلك يكون ما أكده السيد النقيب لقناة “الوطنية” عندما قال له الصحفي ليتأكد: “معنى هذا أن عندكم الحق في أن تتشكلوا كطرف مدني في مرحلة الاشتباه؟” غير صحيح وتكون “Tout à fait” التي قال ليست في محلها! ولقد بينا بما لا يدع مجالا للشك من أين أخذنا مأخذنا ذلك؛ إذ أخذناه من النظرية العامة، ومن قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني! في حين لم يعطنا الطرف الآخر في جميع مداخلاته نصا قانونيا واحدا يحتكم إليه!

لقد كان موقف السيد النقيب – رغم صرامته الظاهرة- متناقضا ومهزوزا جدا، حيث اعترف ضمنيا بانعدام ما يدعيه فقال: “فريق النيابة المكلف بمتابعة الفساد هو الذي سيقرر من سيوجه الاتهام وهل سيتهم”. وأضاف: “عندما يشعر أي طرف بأنه ضحية فعليه أن يتحضر، فعليه أن يتحضر، ويحضِّر تصوره ويكون جاهزا عند ما تكيف النيابة الأفعال أن يكون جاهزا حتى يصرح بوجوده. وهذا معناه الاعتراف بأن النيابة لم تكيف، ولم تتهم بعدُ، وأن أصحابنا ما يزالون في مرحلة التحَضُّر وتحضير تصورهم وتجهيز أنفسهم في انتظار أن “تكيف النيابة الأفعال” فيصرحوا بوجودهم الذي لم يصرحوا به بعدُ بسبب عدم وجود دعوى عمومية!

نحن لا ننقُم من عمدائنا وزملائنا الكرام أنهم اصطفوا بهذا العدد في خندق الدولة قبل أن يتبينوا، فتلك مسألة فيها نظر، و”يعتبر الدفاع حرا وكذلك اختيار المدافع”. حسب نص المادة 7 من قانون التنظيم القضائي. ولكن ما ننقُمه ونعيبه هو ما تم في هذا الموضوع من هرولة وارتجال وتسرع وإهانة للمحاماة وخرق للقانون والدستور، وإنكار لقواعدهما الآمرة الجلية.. ثم ما ورد في مقابلات منسق اللفيف من تجن وتحامل على البرآء بما ليس له به علم، ومن انتهاك لحقوقهم وأعراضهم ظلما وعدوانا (سنتطرق إلى ذلك في حديثنا عن حجم الأضرار بإذن الله)! الشيء الذي لا يجوز لمن كان لا جدال في تمتعه بصفة الطرف المدني، فمن باب أحرى مَنْ ما يزال “يتحضر” و”ينتظر”! إذ لا يجوز لغير المحامي ولا للمحامي، في أي ظرف من الظروف، ولا تحت أي إغراء مادي أو معنوي أو إكراه سياسي أو تعصب قبلي أو جهوي، أن يَقْفُوَ ما ليس له به علم ويفتري على الآخرين.. وفعل ما لا ينبغي، لا ينبغي!

فقد دنست هذه “الأفعال المنفصلة” حقا عن أخلاق مهنتنا وعن صلاحيات نقيب هيئتنا، سمعة مهنة المحاماة النبيلة التي كان متوقعا – وواجبا وممكنا- أن تنهض من كبوتها، وترقى إلى مكانة أسمى تليق بها؛ وذلك بفضل قانونها الجيد الجديد، وقيادتها المنتخبة حديثا، ورصيد تقاليدها المجيدة في الإنصاف والتشبث بالحق ونصرة المظلوم!

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق