الإفتتاحية

بلاعنوان

كاريكاتير

فيديو

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

حكم التفاهة «La Mediocratie»،

اثنين, 2018-04-16 00:26

 في 20أكتوبر 2015 ،صدر كتاب للفيلسوف والأستاذ الجامعي الكندي ألان دونو (Alain Denault) عن دار النشر LUX ÉDITEUR تحت عونوان: «La Mediocratie»، أو نظام التفاهة.

أثار هذا الكتاب ضجة بين مثقفي الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يتحكمون بمواقع صنع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، و ثقافيا...

لإخذ فكرة عن هذا الكتاب قمنا بترجمة مقتطفات من الكتاب ،تعطي فكرة ولو بسيطة عن هذه الظاهرة التي تجتاح العالم عامة،وبلادنا في الوطن العربي خاصة.

 

يقول الكاتب والفيلسوف الكندي إن الأمر يتعلق بـ"ثورة تخديرية"،تدعونا أن نكون دائما في الوسط،،أن نفكر برخاوة،أن نضع قناعاتنا في جيوبنا،أن نكون كائنات قابلة للمبادلة وسهلة الترتيب في الأدراج ،أن لا نحرك شيئا وخاصة أن لا نخترع شيئا يمكن أن يؤثر على النظام الاقتصادي والاجتماعي.

ويرى آلان أن  التافهين قد حسموا المعركة، من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة "الفجر" (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، ربح التافهون الحرب وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه.

يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة لناس هذا العصر: "لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة"!

وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي.

السبب الأول يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. يقول إن "المهنة" صارت "وظيفة"،وهو ما وصفه ماركس منذ 1849،عندما قال إن اختزال الرأس مالية للعمل في قوة ومن ثم مكافأة فإنها انتزعت روحه . صار شاغل المهنة يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. يمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى "المتوسط". وصار أشخاصه "متوسطين"، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في "الأزمنة الحديثة" أو فريتز لانغ في رائعة "متروبوليس".

السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام.

هنا بدأت سيطرة التافهين ، أو ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. يقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم "الحوكمة"، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم "المقبولية المجتمعية"، والمواطن بمقولة "الشريك". في النهاية صار الشأن العام تقنية "إدارة"، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة "زمرته".

من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن "تلعب اللعبة". حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد "لعبة". حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: " علينا أن نلعب اللعبة"، وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها، لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف...

أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة "الخبير". هو ممثل "السلطة"، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل "المثقف"، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل.

جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان "على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات"، لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه، أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، إن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين.

صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات "السوق."

هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.

كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام... وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما. 

ترجمة الإخباري