عفوا شيخنا.. لو اتبعناكم ما هلكنا

رسالة إلى روح الشيخ محمد سالم ولد أَلُمَّا

ذَبَحَ الحسيــنَ المسلمـــو ** ن، ولـم يَنَــم بعــدُ الإمـامْ
والشمسُ أدمى قرصَها ** قرضا صراصيرُ الظلامْ!

معذرة، أيها الشيخ الجليل!
نحن الآن، مثلكم، في “عالم” آخر، يختلف كليا عن عالمنا المعهود، وإن اختلف العالَمان! “عالم” يدعى انواكشوط عاصمة الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛ والزمان مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين!
يوم كنتم لم يكن هذا “العالم” قد برز إلى الوجود بعدُ، ولم تُدْرِكْ أشراطُه غيرَ أربعة أعوام من حياتكم الزاخرة الزاهرة.
يومها كان مجتمع إگيدي القانت الفاضل، وكان الخصب، ويتمتع البيت الموريتاني باكتفاء ذاتي؛ وكانت قيم العلم والورع والتقى والقناعة والمروءة والشهامة هي السائدة! ورغم التفاوت الاجتماعي الصارخ أحيانا، فقد كان التراحم والتكافل والإخاء دِينَ ودَيْدَنَ الناس!
… وكانت دولة فرنسا المستعمرة الجبارة المستكبرة! ورغم جبروتها واستكبارها، واختلاف مشربكم ومشاربها، فقد وجدت نفسها في حاجة لعلمكم وورعكم وعدلكم، وهي تعلم علم اليقين أن العدل أساس الملك.. فعينتكم قاضي نقض.
قبلتم المنصب على مضض، حتى تجدوا مخرجا وخلاصا من ورطته. وراعكم كثرة أحكام القضاة وندرة أصلاحهم! حتى قيض الله لكم أمير الترارزة أحمد سالم ولد إبراهيم السالم رحمه الله، فسعى – بإلحاح منكم- في حمل السلطات الفرنسية على إعفائكم من القضاء، فكان له ذلك!
تنفستم الصعداء لما انزاح العبء عن كاهلكم، وعدتم إلى عرينكم: كتبكم وتلاميذكم ومحرابكم الزكي في ربى “تَنْدَكْسَمّي” المحروسة!
قطرة من بحر ورعكم المشهود، سجلت بماء الذهب في حوليات إگيدي الغابر.. وقلما وعتها آذن واعية في عالمنا الجديد! وإني لأبوح في رحابكم بما كان لها من وَقْع ظل يعتمل في نفسي حتى هذه اللحظة. فعندما نجحت سنة 1960 – وأنا فتى- في مسابقة قضاة تونس، لم أستطع أن أخبر أبي، لكثرة ما تروى في مجلسه بفخر واعتزاز قصة “هروبكم” من القضاء! وقد “هربت” منه أسوة بكم مرتين: الأولى بعد عودتي من تونس، والثانية بعد تخرجي الأولَ من دفعة القضاة بالمدرسة الوطنية للإدارة. فبادرت بتقديم استقالتي، ويممت شطر المحاماة! ولم أصدر حكما قط، أو أتعهد في قضية غير عادلة، ولم أرفض أبدا الصلح وقد قال الله “والصلح خير”!
شيخنا الجليل؛
نشكو إليكم حظنا العاثر وتفريطنا وإفراطنا في الأخذ بأسباب المدنية والنظام والرقي، في “عالم” شرس لا يرحم الهمج والأغبياء والمغفلين والصعاليك!
فكم عانينا بعدكم الأمرين ونحن نغازل حلم الاستقلال من ربقة الاستعمار وبناء دولة جامعة مانعة مزدهرة وعادلة!
حاربنا الوجود الاستعماري الفرنسي بجميع أشكاله وألوانه، حتى أطحنا بالاتفاقيات الاستعمارية المهينة، وأنشأنا الأوقية، وأممنا التعدين والبنوكَ (ميفرما، سوميما، BIAO) وأنزلنا لغة وثقافة فرنسا من صياصيهما، وتوجنا اللغة العربية والدين الإسلامي وثقافة وقيم المحظرة الشنقيطية الألمامية، ورفعنا شأن الشعب (منح القطع الأرضية، مجانية التعليم والدواء، دعم المواد الأساسية، إعلان ميثاق وطني يلغي استغلال الإنسان للإنسان)!
ولسوء طالعنا، ومكر المستعمر، وغفلة الشعوب، وغباوة الطبقة السياسية، اندلعت حرب الصحراء العبثية، وجاء انقلاب 10 يوليو العشائري الرجعي، فدمرا البلاد والعباد، وأهلكا الحرث والنسل!
كبونا. وتهنا ثلاثين سنة ما تزال بصماتها شاهدة.. ثم انتفضنا.. ونهضنا نبني ونحمي الوطن الغالي، ونرعى ونسعد الشعب، ونرفع هام موريتانيا الحرة ورايتها العزيزة في سماء الأمم الحرة:
عشر سنوات من الحرية والعزة والعطاء والنماء والخلق: خرجنا من وصاية الجيران وهيمنة الدول الاستعمارية، ورتقنا ما انفتق من لحمة المجتمع، وجبرنا كسر الوحدة الوطنية المهيضة، وأطلقنا الحريات، وأقمنا الديمقراطية، وأمَّنَّا وطننا ومواطنينا من الإرهاب والجريمة، وبنينا جيشا جرارا، واقتصادا قويا، وبنى تحتية عريضة، ووفرنا الماء والكهرباء لمعظم السكان، واستضفنا العرب والأفارقة فنزلوا أهلا وحلوا سهلا، وشاركنا بحزم وعزم في بسط السلم والأمن في منطقتنا وفي العالم، وطردنا إسرائيل صاغرة من أرضنا الطاهرة، وجرمنا الانقلابات وسننا التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، لترسو سفينة الوطن على بر الأمان!
… وفجأة كنا كما قال الشاعر:
إذا ما توقى جانب الروع راعه من الجانب المأمون ما كان يحذر.
سقط الحصن الوطني من الداخل، وتهاوت قلاعه الواحدة تلو الأخرى في أيدي العدو، فهوى الصرح الوطني من جديد، وعدنا إلى الحضيض كما يعود سيزيف!
أنقول ما قاله الزعيم المصري سعد زغلول – رحمه الله- في وضع مماثل، وهو على فراش الموت: “ما فيش فايده، غطيني يا صفية؟
كلا. لن نقول! فنحن ما نزال على قيد الحياة! ولنا أسوة حسنة في زعيم مصري آخر قال:
“قف دون رأيك في الحياة مجاهدا ** إن الحياة عقيدة وجهاد”.
ثلاثة جبال سدت طريقنا وحجبت عنا الأفق، هي: جهل العارفين، وجشع الأغنياء، ونفاق المثقفين!
صدق مالك بن نبي في قوله: “العلم دون ضمير خراب للروح. والسياسة دون أخلاق خراب للأمة!
وصدق أيضا من قال:
فالعلم إن لم ينتج الفضائلا ** كان إلى الجهل البغيض آئلا.
وقال الشيخ محمد عبده:
ولست أبالي أن يقال: محمد ** أبل، أم اكتظت عليه المآتــــم
ولكنه دين أردت صلاحــه ** أحاذر أن تقضي عليه العمائــم.
لقد كان الفرق شاسعا بين عالمنا الجديد وعالمكم القديم في جميع المجالات. ومع ذلك كانت عوامل الاستقامة والمناعة والإباء أقوى لديكم آلاف المرات مما هي لدينا!
لم نعد كما كنا بدوا رحلا؛ بل أصبحنا نسكن الحضر ونتطاول في البنيان، ونمتلك جميع أسباب الرفاه والمعرفة والعيش الرغيد، وصرنا جميعا دكاترة وأئمة وزعماء وقادة رأي … إلخ، وأمسى العالم من حولنا – بعد أن كان في عهدكم موحشا ومترامي الأطراف- قرية واحدة يمكن استكشافها والوصول إلى أبعد نقطة منها خلال يوم وليلة، أما أخباره وآثاره وثماره فتسّاقط علينا رطبا جنيا!
وصدق الشيخ محمد المامي في قوله: “الارض امن المعادن حطره” وكان المحيط الأطلسي زاخرا بخير عميم، ونهر صنهاجة يروي بمائه العذب سهل شمامه فتفيض لؤلؤا وتبرا!
… كنتم تبيتون “على الطوى” ولم يقل قائلكم: “شمروا” للتنقيب عن الذهب، ولا “شمروا” للصيد ولا للحرث؛ بل قال: “شمروا للمعالي”!
لم تستخرجوا “عروق” الذهب، ولم تصطادوا الدلافين، ولم تزرعوا الذرة والدخن؛ بل على العكس من ذلك، استخرجتم واصطدتم وزرعتم “الذهب الإبريز” وموهوب الجليل والإضاءة والطرة ومراقي السعود، وكتاب البادية و”الدلفينية” ونوازل الگصري مثلا … وغيرها!
“إن هذي الأوراق حقل من القمــ**ـــح، فمن أين تبدأ الشفتان؟
في كتاب الأيام نوع من الرســــ**ــــم، وفيه التفكير بالألوان”!
أما نحن فقد استخرجنا المعادن واصطدنا الأسماك وفلحنا الأرض، وبعنا وشرينا في جميع أصقاع العالم، وناهزت ميزانيتنا ألف مليار، بعد ما كنا فيه من شدة، زَمَنَ “سياسة التقشف” و”لجنة الفأس” وما زادنا هذا إلا جشعا وفقرا وتفاوتا… وما ادخرنا شيئا!
لا مقارنة بين ما نحن فيه اليوم من غنى ورغد عيش وكثرة أموال ووسائل وأسباب، وبين خيمة “أم الطريد”. اللهم إلا إذا كان من باب المقارنة بين الشمس السها! ومع ذلك، فقد اهتدت “أم الطريد” إلى الحقيقة. كما اهتدى إليها البهجة ولد أفلواط، وولد ميلود الصوفي، و”كَتُو بَرْمَه” الحكيم! وما زلنا نطاردُ خيط دخان!
كان فينا أئمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وكان منا ساسة ومثقفون يحملون هم الوطن والشعب ويضحون بأرواحهم في سبيل ذلك، وعندنا أغنياء لهم قلوب! انتقل الأئمة بداه ولد البوصيري ومحمد سالم ولد عدود والحاج ولد فحفو.. وغيرهم ممن على شاكلتهم من القمم إلى رحمة الله، وأطيح بالرئيس المختار ولد داداه وصحبه، واغتيل أحمد ولد بسيف، وأعدم محمد ولد عبد القادر وأحمد سالم ولد سيدي، وأقصي فياه ولد المعيوف، وتوفي سيدي محمد ولد العباس رحمهم الله جميعا… وسُجِن الرئيس محمد ولد عبد العزيز!
… ونحن الآن هنا، والله المستعان! كما قال الشيخ محمد اليدالي! ولنا أمل في الله وفي قوة وحكمة شعبنا وفي الخلف الصالح.
شيخنا الجليل؛
ثقوا أني لست متزمتا ولا رجعيا يتجاهل ويلعن الحاضر، ويخاف من المستقبل، ويستلهم شعاراته وأدواته من الماضي الغابر، ولكني جزعت مما نعاني من خواء روحي فظيع وتهافت “مادي” مدمر، فاغتنمت فرصة العزاء في حفيدكم الشهيد الذي لم يرع فيه خلْفُكم إلا ولا ذمة، فأضاعوه.. “وأي فتى أضاعوا” ففزعت إلى ماض مجيد كنتم تجسدون قيمه الفاضلة، كي نستلهم منه ما يخدم الحاضر، ويبصم المستقبل! وأنشد مع الشاعر الدمشقي بتصرف:
عد إلينا يا سيدي عد إلينا ** وانتشلنا من قبضة الطوفان
عد إلينا فإن عصرك عصر ** ذهبي ونحن عصر ثاني
ذبح [الحق] فـ[الفضيلة] صارت ** قينة تشترى ككل القيان
جردوها من كل شيء وأدموا ** قدميها باللف والدوران
لا تسل عن روائع المتنبي ** و[البهاليل من بني حمدان].

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق