“العاشر يوليو” في ذاكرة المرحوم محمد يحظيه ولد أبريد الليل*..

“…قد يتساءل أحد: وهل تشاورتم مع محمذن ولد باباه في أمر ما سيعرف فيما بعد ب «العاشر يوليو»؟ هذا ما أريد أن ألقي عليه ضوءا باهتا لأول مرة بعد ما يزيد على ثمان وثلاثين سنة. لماذا كل هذا الزمن؟ ليس قطعا لأنه من الأمور المحظورة أو التي تقع تحت دائرة الضوء وإنما لأن الفرصة لم تتح. وأي شيء لم تتح له فرصة ينبغي أن يبقى في مكانه، أي في الصدور، إذ ليس من اللازم أن نبوح بكل شيء نزولا عند رغبة الفضوليين. وفي اعتقادي أن الإنسان عندما يودع الحياة، عندما يتوارى عن الأنظار، عليه أن يحتفظ بأشياء. هذا من خصائص شخصية الإنسان، بل من سمات إنسانيته. عليه أن لا يكون كقربة الماء الفارغة اليابسة وإنما كقربة الدهن (العكة) لأن العكة ترشح دائما إلى آخر لحظة ببقية من الدهن والرُّب.

أما فيما يخص موضوع العاشر يوليو، أقول إنني أقدمت على ذلك المشروع بتهيب، بتهيب الكاهن، الشامان، أمام النار المقدسة. كما يشهد على ذلك أحد الحاضرين في هذه القاعة وهو الأستاذ أممد ولد أحمد. هذا لا يعني أنني لم أندفع فيما بعد عندما تأكدت أن المجتمع صار في مأزق. بعدما اقتنعتُ بضرورة تلك العملية الجراحية، بادرت بالهرولة إلى باب الأستاذ محمذن لأتشاور معه في الأمر. ترى كيف يكون التشاور في موضوع انقلاب مع شخص عضو في الحكومة المهددة؟ إن ذلك مرده إلى الأسباب الآتية:

أولا: هو أنني كنت أعتقد أن الحكومة القائمة آنذاك هي ائتلاف بين جهتين: حزب الشعب والأستاذ محمذن ولد باباه لأنه حسب تقديري لا يعتبر أن لأحد مِنـّةٌ عليه. فهو لم يكن التابع المأمور البسيط الذي ينفذ التعليمات بصفة عمياء. لقد كان تعيينه وزيرا بمثابة ولوج تيار أساسي – يعبر عن ضمير الشعب الموريتاني- إلى الحكومة لأول مرة. وكان لا بد لحكومة تعول على التمويلات العربية وبالذات في المجهود الحربي، وتراهن على المساندة العربية في المحافل الدولية من وجود شخص على الواجهة يمثل رمزا للهوية العربية في الساحة.

ثانيا: كنت متأكدا أن الأستاذ محمذن في درجة من التعلق بشعبه – تشبه الشفقة – من شأنها أن تعصمه من التعصب لموقف قد يكون في النهاية ضارا بالمجتمع.

ثالثا: هو أنني أنظر إلى الأستاذ محمذن نظرة المسيحيين للقديس فهو عندهم مأمون الشر. بإمكان أي إنسان أن يبوح له بكل الخطايا والأخطاء والجرائم وهو مطمئن. الأستاذ محمذن من هذا المنطلق مأمون المكر. من يعرفه لا يخشاه.

جئت إليه المرة الأولى بعد العشاء لأجده في تقديري، قد ودع أصحاب مائدته وهو في فراغ لأحدثه في قضية تنطوي على هذه الدرجة من الحساسية والخطورة.. فوجدته محاطا بلفيف كثيف من أصدقائه يتناولون شايا ممددا بعد العشاء، وبعد نهايته لم يشعروا إلا بضرورة متابعة الحديث الشيق والرفيع الذي كان يشغلهم. فشعرت في حدود الساعة الثانية عشرة أو قبلها بقليل أن الحلقة تتجدد وتنتعش بمثابرة، ضد رغبتي. فهمست بوشوشة غير منطوقة بوضوح اتجاه الأستاذ، توحي بأنني أود الإنسحاب، فخرج معي الأستاذ ليودعني عند الباب؛ فانتهزت الفرصة لأبوح له بشيء واحد، ليس بإمكان أي أحد أن يفك لغزه إلا أنا. فقلت له «أريد أن أراكم للحديث». فهم الأستاذ الأمر على ظاهره طبعا وبادر كعادته معلنا استعداده لذلك في أي وقت… ولأنني كنت متأكدا من صدق استعداده، عدت إليه ثانية في وقت هدوء الليل وسحر جلاله. كنت أخال ذلك الظرف مناسبا للخوض في أمر كهذا. لكن العقبة الكأداء تكررت حتى لقد خُيّل إلي أنها مؤامرة داخل المؤامرة مع أنها كانت مجرد صدفة. إنما هي جماعة تتناول أطراف حديث عام وشيق، يتوسطها شخص جذاب يلتقون بعد يوم من العمل المكتبي المرهق والممل. لم تتسرب إليّ عدوى إغراء مثل هذه الجلسات لأن الجماعة كانت خالية البال. أما أنا، فإنني أشبه بشخص يخفي بين جناحيه قنبلة ضخمة من حجم قنبلة هيروشيما. هذا القلق النسبي ترافقه مراقبة الوقت لأن عليّ أن لا أنتظر – تحت أي طائلة- الساعة الثانية عشر ليلا، لأن جوب الشوارع بعد ذلك الوقت بالنسبة للدوريات المنتشرة في ذلك الزمن هو شيء مريب، بل مثير.. يجب تجنبه بحزم سيما لشخص قد لا تكون المخابرات تثق فيه ثقة عمياء.

وللمرة الثانية، غادرت منزل الأستاذ محمذن قبل منتصف الليل بقليل، تحرسني حفاوته الصادقة التي لا يطريها أي تطبع زائف من جهة، وخيبة الأمل في الوصول إلى غايتي والخوف من لقاء دورية لها فضول في غير محله أو انتباه زائد، من يدري؟ … والواقع أنني كنتُ عندما أخرج إلى الشارع في ذلك الوقت المتأخر نسبيا، يخيل إلي بأن القنبلة التي ترن في خلدي قد أصبحت تاجا على رأسي ظاهرا للعيان.

تكررت زياراتي على هذا النمط في نفس الوقت الذي أراه الوحيد المناسب. ولم يسعفني خيالي باختيار وقت بديل. كنت دائما وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وأغادر وأنا ألطف سيري لأطرد العجلة والإضطراب وأتظاهر بالتوازن والثبات في الوقت الذي أتمنى لو يكون لي جناحان لأطير.
بلغ عدد الزيارات ثلاثا ثم أربعا، وعندما وصلت إلى سبع، وهو الرقم المنبئ، السحري، الذي تعودنا ونحن صغار على أن به سرا، قلت في نفسي –لأنني خرافي- هذا الأمر غير مأذون فيه.

انتهت المحاولات اليائسة بل البائسة دون أن أنبس ببنت شفة أو تلوح مني إشارة توحي للأستاذ محمذن بمبتغاي، وبما كنتُ أريد تناوله معه من حديث. لقد كنت أعتبر أن أمرا كهذا بمثابة كتلة واحدة لا تتجزأ. ليست له مقدمة منفصلة، فإما أن يقذف به دفعة واحدة وبكل حيثياته ومرتكزاته الشاملة وإما أن يترك؛ لأن كل تناول مجتزأ له سيكون ضارا، ربما، فضلا عن كونه قد يشكل خطرا على سلامة المعنيين.
المهم أن محاولاتي في التحدث إلى الأستاذ محمذن استمرت زهاء شهرين أو ثلاثة، وكانت في الربع الأخير من سنة 1977 وربما طفحت على الشهر الأول من سنة 1978.

قد يقول قائل لو تم هذا التشاور وتحقق اللقاء هل كان سيغير سير الأحداث؟ هذا ما ليس عندي رد قطعي عليه، فثمة أسباب لقول لا، وأخرى لقول نعم.
ومهما يكن من أمر، ينبغي أن لا نحكم على الأمور انطلاقا من الظروف الحالية ومن نفسية الأشخاص الآن وإنما انطلاقا من المبدأ القائل: إن الزمن نهر، مياهه جارية، وليس بإمكاننا أن نستحم فيه مرتين مهما فعلنا.

ما الذي هو متاح أو مطلوب أو محتمل بالنسبة للأستاذ محمذن؟
لا أظن أن أي أحد منكم يتصور أنني جئت إليه لأقول له: أريد أن تشارك معنا ! لأن ذلك طلب دارج من جهة، ومن جهة لأنني أعرف أن أخلاقيته لا تسمح له باتخاذ موقف قد يفسر فيما بعد على أنه غدر. حتى أنا الذي كنت في أسفل السلم عندما انطلقت الرصاصة الأولى في حرب الصحراء في ديسمبر كانون الأول 1975 أعلنت في اجتماع رسمي معارضتي المطلقة لتلك الحرب لأريح ضميري. ويشهد على ذلك الأستاذ بارو عبد الله، رئيس الإجتماع المذكور وهو آنذاك وزير دولة.

ولا شك أن الأمر كان أصعب بالنسبة للأستاذ محمذن. وليس بإمكانه أن يفعل شيئا، معنويا، إلا بعد أن يقطع حبل السرة باستقالة من الحكومة وإعلان معارضة الحرب القائمة. إن هذا هو بالضبط ما كنت أطمح إليه لأنني أعرف أنه لم يكن على الإطلاق من صقور تلك الحرب. كما أن له من بعد النظر والحرص على سلامة الكيان الموريتاني والجرأة عند الإقتضاء ما لا يضع الأمر في طور المستحيل. وخاصة إذا نمى إلى علمه تبلور مبادرة عسكرية وليدة سينظر إليها بالضرورة على أنها مغامرة ضارة وعمل يجب قطع الطريق عليه واحتواؤه بمبادرة سياسية مدنية منتجة تتمتع بالمصداقية. كان قيام مشروع سياسي جماهيري من هذا النوع هو الإحتمال الأفضل، بل هو أوج التوقع وكان هو الخيار الوحيد والبديل الذي من شأنه أن يثنيّني شخصيا عن المشروع العسكري الناشئ.

كانت تلك الإستقالة من شأنها لو تحققت أن تعيد الحكومة إلى سابق عرجها إبان عهد المنظمة الإفريقية الملغاشية « OCAM » وتزيد من عزلتها، وتُفضي إلى تجربة من نوع جديد من شأنها أن تغير مجرى التاريخ، وتجنبنا الكثير من الإنزلاقات والزيغ المتكرر الذي لا لزوم له. لكن يقال: «إن الرجال هم الذين يصنعون تاريخ أنفسهم ولكنهم لا يعرفون التاريخ الذي يصنعون«.

كانت الإنقلابات والأنظمة العسكرية تتمتع لدينا في تلك الفترة بسمعة سيئة نتيجة لإنقلاب حافظ الأسد الذي قضى على التجربة التقدمية في دمشق. وبالنتيجة حجَّم الثورة الفلسطينية – ونحن لا نستعمل آنذاك التخفيف أو التورية السائدة الآن: «المقاومة»- بل وضعها في قفص؛ كما كنا نتابع بمرارة واشمئزاز تجربة زمرة الكولولنات، السيئة الصيت، الحاكمة في اليونان. ثم جاءت الطامة الكبرى وهو الانقلاب المفزع الذي دبره العم سام في اتشيلي على نظام «الوحدة الشعبية» التقدمي بقيادة الرئيس سلفادور آلاندي، الذي اغتاله الدموي بيونوشيه. إلا أن ثورة «القرنفل» في البرتغال التي فاجأتنا بها «حركة القوات المسلحة» صالحتنا من جديد مع الإنقلابات. فقضت تلك الحركة على آخر معاقل فاشستية كايتانو -خليفه سالازار- وقذفت بالحركات الثورية والتقدمية السرية إلى الواجهة، وأعلنت استقلال المستعمرات البرتغالية في إفريقيا.

كان الرجل القوي في «حركة القوات المسلحة» الجنرال الثوري الشاب أوتلو دي كرفالو بالنسبة للكثير منا، هو امتداد ووكيل على الأرض للثوري الذي لا يلين تشي ڭيفارا.
استعادت عندنا بذلك الانقلابات بريقها وألقها كوسيلة تغيير وليس كصيغة حكم.

لقد نَظَّرَ المرحوم الرائد جدو ولد السالك، مرارا لنموذجِ ليس لجنة العسكرية، وإنما «حركة القوات المسلحة» كقوة حية تضم الجنود والضباط في الدول النامية إلى جانب النقابات العمالية والمنظمات الشبابية والحركات السياسية التقدمية والثورية. وضرورة قيام جبهة واسعة من هذه المكونات تقود نضال الجماهير الشعبية. إلا أنه لم ير في محيطه الآذان الصاغية والتأني للنظر في أي نموذج مستقبلي. وسرعان ما تلاشت الفكرة في ضوضاء وملاحقة الأحداث اليومية الملحة وإكراهات تحضير التغيير”.
‐-‐—–‐————————-‐————————————————-
* مقتطف من مداخلة المرحوم الأستاذ محمد يحظيه ولد أبريد الليل في حفل تكريم الأستاذ محمذن ولد باباه، يوم 14 مايو 2016
عبد الباقي العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق