في ذكرى (الشنافي) فقيد الثقافة والبحث العلمي

البروفيسور محمدُّو محمدّن أميّن

انقضت اليوم الأحد 6 سبتمبر 2020، ثماني سنوات كاملة على رحيل المرحوم بإذن الله تعالى محمد ولد مولود وداداه (الشنافي) عن دارنا الفانية. ففي صبيحة 6 سبتمبر 2012. ترجل هذا العملاق ليترك فراغا رهيبا في حياتنا الفكرية والعلمية تحريا في النقل وصرامة في المنهج وتدقيقا في الوقائع وبصيرة في فحص المسلمات…
لقد كان رحيل هذه القامة خسارة كبيرة للباحثين وللمجموعة العلمية بشكل عام. ولكن الخاسر الأكبر كان مركز الدراسات والبحوث حول الغرب الصحراوي (CEROS) الذي شرفه المرحوم خلال سنوات عمره الأخيرة بتغذية أنشطة مختلفة شملت محاضرات وطاولات مستديرة ونقاشات، إلخ، مما منح المركز سمعة طيبة وقيمة علمية وثقافية بارزة.
ومع أنني شخصيا تشرفت خلال السنوات الأخيرة بالإشراف على بحث جاد بعنوان: محمد ولد مولود ولد داداه وإسهاماته التاريخية”، أعدته الطالبة مديحة بنت محمد للحصول على شهادة الماستر في التاريخ، وتعميقا للحفر أعمق في تراث هذا العلَم الفذ اتفقت مع الطالبة نفسها خلال السنة الحالية (2020) على مواصلة الموضوع في أطروحة الدكتوراه التي عنونتها بــ”دور نخبة جيل التأسيس في تدوين التاريخ الموريتاني (الشنافي نموذجا)”؛ مع ذلك فإني أحس -وكذلك زملائي الباحثين في مركز الدراسات والبحوث حول الغرب الصحراوي- بالخجل حيال الإعراض الذي يلقاه هذا الرجل الذي خدم بعبقريته الفذة الدولة الموريتانية موظفا، ونافح عن أطروحاتها في المحافل الدولية خبيرا، ثم كرس أغلب عمره بعد ذلك لخدمة البحث في تاريخها، بل وتاريخ المنطقة عموما، فكان جل الباحثين في حقل الدراسات الإنسانية عالة عليه في كثير من أطروحاتهم.
إن توجيه البحث إلى تسجيل تراث الرجل وتنظيم معطياته، يعد اليوم مهمة وطنية نبيلة ينبغي أن توضع على طاولة الاهتمام العمومي، كما أن تكريمه يشكل جزءا من وفاء البلد لرموزه العظمية، فلا أقل -بعد الاستفادة من علمه الغزير الذي أودعه مقالاته وتدويناته وذاكرة مريديه- من رفع اسمه مشخصا ضمن المعالم والشواهد الماثلة أمام الناشئة إحياء للقيم المعرفية والرمزية التي تتراجع اليوم أمام بريق المظاهر المادية.
ننتهز هذه الفرصة لتقديم ثلاثة اقتراحات بسيطة في شكلها عميقة في دلالتها تخليدا لذكرى رائد البحث التاريخي الرصين في موريتانيا، يدخل كل واحد منها في دائرة اختصاص جهة معينة:
1. أن تسمي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أكبر مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط العصرية “مدرج المرحوم محمد ولد مولود ولد داداه”.
2. أن تطلق وزارة الثقافة والصناعة التقليدية والعلاقات مع البرلمان على قاعة الباحثين بالمكتبة الوطنية اسم “قاعة المرحوم محمد ولد مولود ولد داداه”.
3. أن يختار المجلس الجهوي لمدينة نواكشوط أحد شوارع العاصمة ويسميه “شارع المرحوم محمد ولد مولود ولد داداه”.
هذه عناصر ضمن أخرى، نعتقد أنها تمثل أضعف الإيمان في الوفاء لرمز من رموز هذا البلد. فقد وضع الشنافي بشهادة الجميع بصمات شاهدة في حياتنا العامة مؤسسيا وعلميا وفكريا، مكرسا حياته لخدمة موريتانيا بكل تفان وتواضع وتوار عن بهارج الأضواء ومنافع المال العام.
البروفيسور محمدُّو محمدّن أميّن
قسم التاريخ بجامعة نواكشوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق